‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام دين العلم و الفطره. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاسلام دين العلم و الفطره. إظهار كافة الرسائل

9‏/5‏/2015

لماذا لا يعتمد على العقل وحده في الإيمان و كيف التوافق بين العقل و النقل..؟

لا بد من تكامل بين العقل والنقل، سأوضح هذا بمثل: إذا دخلت إلى جامعة فرأيت أبنيتها، وقاعات المحاضرات والمخابر، وبيوت الطلبة، والحدائق الغناء والملاعب، عقلك يستنبط عشرات الحقائق من هذا الذي رأيته.
الآن الملاحظة، لاحظت دقة في الأبنية، وتناسب الأبنية مع أهداف الجامعة، وقاعات المحاضرات، فيها عزل للصوت، ومدرج، وسبورات تمسح آلياً، بيوت الطلبة حولها حدائق، وموقع الجامعة بعيد عن الضوضاء، والمخابر العملاقة، تستنبط أن هناك إدارة وجامعة وتخطيطًا وهندسة، ولكن هل تستطيع أن تستنبط من هو عميد الكلية؟ من هو رئيس الجامعة من هذه الأبنية؟ هل لك أن تستنبط نظامها الداخلي؟ متى ينجح الطالب ومتى يرسب؟ هل لك أن تستنبط أسماء الأساتذة؟ مستحيل، فالنظر في أبنية الجامعة ينبئك أن وراء هذه الأبنية مهندسين وعلماء، لكن من هم؟ ما أسماؤهم؟ ما النظام الذي يحكمهم؟ كيف ينجح الطالب؟ هذا لا بد من كتيب عن الجامعة، فالنظر في الكون يكمله الوحي، التأمل والتفكر في خلق السموات والأرض يكمله وحي السماء، فأنت بالعقل إذا جال في الكون تعرف أنه لا بد لهذا الكون من خالق، يأتي الوحي ويقول لك :
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
العقل لا قيمة له من دون وحي ينير له الطريق :
العقل محدود
شيء آخر مهم جداً، الوحي ينقل لك مراد الله منك! لماذا خلقك؟ ولماذا جعل الدنيا محدودة وجعلها قصيرة؟ لماذا جعلها ممرًّا للآخرة؟ فكل هذه التساؤلات يأتيك الجواب عنها في الوحي، فنحن لا يمكن أن نعتمد على العقل وحده في الإيمان، تماماً كهذه العين، فلو أن إنسانًا يملك عينًا في أعلى مستوى من الرؤية، ما قيمتها من دون ضوء؟ لا قيمة لها إطلاقاً، لو جلس إنسان يبصر في غرفة مظلمة، وإنسان لا يبصر فهما يستويان، فكما أن هذه العين لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين الأشياء، كذلك هذا العقل لا قيمة له من دون وحي ينير له الطريق، أقول: العقل من دون وحي:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾
[سورة المدثر]
العقل وحده لا يكفي فهو محدود، لا بد للعين من ضوء، ولا بد للعقل من وحي، فالله عز وجل يجيب العقل الذي تساءل عن أن هذا الكون يحتاج إلى خالق، أجابه، وقال :
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
بمعنى أنه رفعها بعمد لا ترونها، وما من تفسير لنظرية التجاذب في الكون إلا هذه الآية.
في الكون قوى تجاذب لا يراها الإنسان :
في الكون قوى تجاذب لا نراها، لو أنك جئت بورقة، ووضعت عليها مسمارًا، وفي أسفل الورقة دون أن نرى المغناطيس حركت هذا المغناطيس فتحرك المسمار، بين الورقة والمغناطيس قوى تجاذب، لكنها غير مرئية، لا تُرى بالعين، فأنت على وجه الأرض مرتبط بقوى التجاذب، ما هو وزن الإنسان في الأساس؟ هو قوة جذبه نحو مركز الأرض، الوزن كله، بدليل أن الإنسان فيما بين الأرض والقمر تنعدم الجاذبية، فيصبح لا وزن له، رواد الفضاء يستيقظون، فإذا هم في سقف المركبة، تنعدم الجاذبية، فالآية :
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
قوى التجاذب- مسار الأرض
من حكمة الله عز وجل أن الأرض تدور حول الشمس، هذا شيء بديهي، سرعتها في دورانها حول الشمس ثلاثون كيلو مترًا في الثانية! نحن من أول هذا اللقاء إلى الآن قطعنا مئات ألوف الكيلومترات، وهذا شيء يقيني، الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي بيضوي، والمسار البيضوي له قطران، صغير وكبير، الشكل البيضوي لو أخذنا مركزه، عندنا نصف قطر طويل، ونصف قطر قصير، ليس كالدائري، كالبيضة تماماً، فالأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي، وهذا المسار له قطر صغير وقطر كبير، أو نصف قطر صغير، ونصف قطر كبير، في أثناء سير الأرض حول الشمس، وعلى هذا المسار إذا اقتربت من نصف القطر الصغير قَلَّت المسافة بينها وبين الشمس،  قانون الجاذبية يتناسب مع الكتلة والمسافة، فإذا قَلَّتْ المسافة ازداد الجذب، فبديهي أن الأرض حينما تقترب من الشمس في هذا المكان الذي قطره صغير لا بد من أن تنجذب إلى الشمس، ما الذي يحصل؟ ترفع الأرض من سرعتها، وكأنها عاقلة، ترفع هذه السرعة لينشأ من هذه السرعة الزائدة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة كيف؟ لو حملت وعاء ماء وملأته ماء، ودورته، الماء لا يسقط، لماذا؟ لأنك حينما تدير هذا الوعاء ينشأ من هذا الدوران قوة نبذ بعيدة عن المركز، فالماء لا يسقط، فالأرض حينما تصل إلى هذه المرحلة الحرجة، والتي يخشى منها أن تنجذب إلى الشمس ترفع سرعتها، حيث ينشأ من هذه السرعة الإضافية قوة نبذ استثنائية تكافئ قوة الجذب الاستثنائية، فتبقى في مسارها، وهي مادة غير عاقلة.
آيات الله عز وجل في الآفاق :
هل تصدق مركبة في طريق ليس فيها سائق؟ سيارة من حديد توقفت عند الإشارة الحمراء، مرّ طفل فأطلقت بوقها، عند المنعطف انحرفت نحو اليمين، هل تصدق ذلك؟ هل تعد المادة عاقلة؟ هذا شيء مستحيل، شيء من صخر، لماذا رفعتْ من سرعتها؟ ولماذا تابعتْ سيرها؟ لأن هناك إدراكًا بالجذب القوي، لأن هناك خالقًا يسيّرها اسمه اللهُ، لكن الشيء اللطيف لو أنّ هذه الأرض رفعت سرعتها فجأة لانهدم كل ما عليها، لكن الحكمة البالغة أن التسارع بطيء، ليبقى كل شيء في مكانه، تماماً لو وضعت بضع علب في شاحنة، وأقلعت فجأة تقع العلب، أو وقفت فجأة تقع العلب، السبب أن في قانون العطالة الجسم المتحرك يرفض السكون، والجسم الساكن يرفض الحركة، لماذا حزام الأمان في السيارة؟ لأنها إذا توقفت فجأة بسبب حادث فأنت تركب معها، فأنت يحكمك مبدأ العطالة، تريد ألا تقف، فتبقى متحركًا، فيقع الحادث، لذلك وجد حزام الأمان لتكون مرتبطًا بالسيارة، فهذه الأرض حينما تصل إلى هذا المكان الحرج ترفع سرعتها، فينشأ من رفع هذه السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها.
الآن الأرض تمشي، وصلنا إلى القطر الأعظم، المسافة طالت بينها وبين الشمس، والجاذبية ضعفت، يوجد خطر من تفلت الجاذبية للشمس، الآن خطر آخر، نوع آخر، أول خطر هو خطر الانجذاب إلى الشمس، والأرض إذا ألقيت في الشمس تبخرت في ثانية واحدة، الخطر الثاني خطر التفلت من جاذبية الشمس، فإذا سارت الأرض في الفضاء الكوني أصبحت الحرارة مئتين وسبعين تحت الصفر، ولمات كل ما على الأرض، برودة لا تحتمل!! خطر الانجذاب إلى الشمس بالاحتراق، وخطر التفلت من الشمس بالتلف الناتج عن البرودة الكبيرة جداً.
الآن: الأرض في هذا المكان الثاني تبطئ من سرعتها لينشأ من بطء السرعة ضعف في قوة النبذ يكافئ ضعف الجاذبية، فتبقى في مسارها.
لا بد لهذا المسار والمسير من قدرة إلهية محكمة بحركة الأرض، الآن التسارع بطيء والتباطؤ بطيء، وهذا يعبر عن اسم "اللطيف".
أحياناً تركب مع سائق أرعن، يوقف المركبة فجأة، فيقلب الركاب، يقلع فجأة فيزعجهم، السائق اللطيف لا تشعر بشيء مزعج معه.
تركب طائرة، الطيار يهبط بخط انسيابي، وهناك طيار ينزل بك بالطائرة، وكأنك في درج فهذا من اسم "اللطيف".
المذيع :
فضيلة الدكتور، سنعود للسماء والعمد الذي تحدثنا عنه، أنها بغير عمد، هكذا ذكر الله سبحانه وتعالى، إن كان هناك عمد فهي كما ذكرتم قوة الجاذبية ولكن غير مرئية.
الحكمة من رفع السموات بغير عمد نراها :
لو أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، وسارت في الفضاء الكوني، وأردنا أن نرجعها فلا بد من مليون مَليون حبل تربط بها إلى الشمس، ومن المعلوم أن أمتن حبل في الكون هو الفولاذ المضفور، ونحن من أجل أن نعيد الأرض إلى مسارها حول الشمس لا بد من أن نربطها بمليون مليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، والمعلوم أن الحبل الفولاذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، قوى الشد في هذا الحبل تساوي مليوني طن، نحن الآن سنغرس مليون مليون حبل على سطح الأرض كي نشدها إلى الشمس، لو زرعنا هذه الحبال لفوجئنا أنه بقي بين كل حبل وحبل مسافة حبل واحد، نحن أمام غابة من الحبال تعيق الحركة، والبناء، والطرق، وتعيق ضوء الشمس، إذاً ستنتهي الحياة، لكن حكمة الله أنه رفع السموات بغير عمد ترونها، بقوى تجاذب!!!
معنى ذلك أن الأرض مرتبطة بالشمس باثنين مليون ضرب مليون مليون، هذه قوة جذب الشمس للأرض، كل هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض ثلاثة مليمترات كل ثانية، هذا الشكل الإهليلجي الذي هو مسارها حول الشمس.
هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض ثلاثة مليمترات كل ثانية، هذا معنى قوله تعالى :
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ترونها
هذا الحديث يذكرنا بما ذكره بعض العلماء في السابق عن شكل الأرض، وأنها على شكل بيضوي وليست مسطحة، هذا إعجاز، فبعد أن تحدثنا عن قوة الجذب بين السماء والأرض، الآن نتحدث عن السماء ذات الرجع، وهذه آية مختلفة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، أيضاً التفسير هنا نراه بشكل معجز.
تفسير قوله تعالى : وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ :
كان يفهم من هذه الآية أنه إذا صعد بخار الماء إلى السماء رجع مطراً، هذه المعطيات الأولية، ثم اكتشفوا أن هذا البث الإذاعي لولا أن هناك طبقة في الجو اسمها الأثير تعيد هذه الموجات إلى الأرض لما كان هناك بث إذاعي في الأرض، ثم اكتشف أن الحقيقة التي تنتظم الكون كله هي قوله تعالى :
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
[سورة الطارق]
حركة النجوم المغلقة - صورة رقمية
أي إن كل نجم أو كل كوكب ينطلق في مسار مغلق، ويعود إلى مكان حركته الأولى المصطلح عليها، كل كوكب يدور في مسار مغلق يعود إلى مكان انطلاقه الأول، المسار المفتوح هو الحلزوني، أما المسار المغلق فأن هذا النجم يعود إلى مركز انطلاقه الأول تماماً، بدليل أن ساعة
[ بيك بين ]
تضبط على حركة نجم، وقد تختلف في العام ثانية أو ثانيتين، والنجم أدق من أي ساعة في الأرض.
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾
أي إن كل كوكب يتحرك، لو تصورنا أن الكون كواكبه لا تتحرك، بحسب قانون الجاذبية لا بد من أن يصبح الكون كتلة واحدة، كل نجم أكبر يجذب الأصغر، وتنتهي الحياة، لولا هذه الحركة لما كانت حركة في الكون، فحركة النجم في مسار مغلق، أي يعود إلى مكان انطلاقه الأول، هذه الحقيقة تنتظم الكون كله:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ﴾
[سورة 
نسبح الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات، ونرى هذه الآيات المعجزة التي نزلت في القرآن الكريم منذ ألف وأربعمئة سنة، يكتشفها الآن العلماء في خلال هذه السنوات، ومن خلال الميكروسكوبات، والمركبات الفضائية التي نراها.
اكتشاف الآيات المعجزة التي نزلت في القرآن الكريم منذ ألف وأربعمئة سنة :

هذا مصداق قوله تعالى :
﴿ سَنُرِيهِمْ﴾
[سورة فصلت]
السين للاستقبال، و الميم للغائب، الله هو المتكلم، والمؤمن مخاطَب، والطرف الآخر هو الغائب، مصداقاً لهذا الدين العظيم :
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾
[سورة فصلت : 53]
خاتمة و توديع : الحمدلله فاطر السموات و الأرض
( منقول عن الدكتور محمد راتب النابلسي )

7‏/4‏/2015

كمال الخلق يدل على كمال التصرف-اعجاز في حوار ممتع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الله جل جلاله خلق هذا الكون كما قلت في اللقاء السابق: كمظهر لأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، لكن هناك قاعدة رائعة من مسلَّمات العقل، أن كمال الخَلق يدل على كمال التصرف، فلا بد من تناسب بين تفوق فكري وبين تفوق سلوكي، فإذا ظهرت حكمة الله عز وجل وعلمه ورحمته في خَلقه ألا يقتضي هذا الكمال الإلهي الذي بدا صارخاً في خلقه أن يكون ما يقابله من كمال في إرشاد العباد إلى سر وجودهم وغاية وجودهم ؟
 بشكل مبسط، أنت أب مثالي، رأيت ابنك يتجه نحو المدفأة، وهي مشتعلة، هل تبقى صامتاً ؟ ألا ينبغي أن تتحرك، أو تقول كلمة، أن تزجره، وترشده، لذلك الحقيقة المسلَّم بها أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، مع أن الله سبحانه وتعالى أعطى عباده كل مقوِّمات إيمانهم، وطاعتهم، وسعادتهم، لكنه تفضل عليهم برسالات الأنبياء، والدليل:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
(سورة آل عمران)
 المن هو العطاء الزائد، مثلاً: ابنك في مدرسة، اخترت له أفضل مدرَسة، وأفضل مدرِّسين، وكل الوسائل مؤمَّنة في أعلى مستوى، وفوق كل ذلك جعلت له أستاذاً خاصاً يأتيه إلى البيت، فهذا الأستاذ الخاص ليس من حقه، الوسائل الأساسية كافية لتفوقه، ولكنك تفضلت عليه بوسيلة استثنائية، فبعثة الأنبياء هي مَنٌّ مِنَ الله لعباده، لكن العقل يدل على الله، والفطرة تدل، والكون يدل، وكل شيء خلقه الله يدل عليه، فمن كمال الخَلق لا بد من أن يكون منه كمال التصرف، فمن هنا بدأت بعثة الأنبياء.
المذيع:
كمال الخلق لله عز وجل، وهنا يجب على المؤمن والمسلم التصرف السليم، مطلوب منه الكمال.
الأستاذ:
الله عز وجل لو جعل أنبياءه ملائكة لسقطت الحجة، يا أخي، أنت مَلَك، وأنا بشر، أنا 
 عندي شهوات، لحكمة أرادها الله جعل أنبياءه ورسله من بني البشر، ولولا أن النبي e بشر يعاني ما يعانيه البشر، وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، ولما كان حجة أمامنا، لو أن النبي e مَلَك لا يشتهي، لا يتألم، لا يخاف، كيف يكون قدوة لنا ؟ فلا بد من أن يكون هذا الرسول، أو ذاك النبي من بني البشر، يعاني ما يعانيه البشر. 
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾
(سورة الكهف)
المذيع:
 هناك تميّز للنبي صلى الله عليه وسلم.
الأستاذ:
 لكن هذا التميّز مبني على التفوق، والدليل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)﴾
(سورة آل عمران)
 في النبوة جانب كسبي، وجانب وهبي، ليس من المعقول أن تقول: النبوة كلها جانب وهبي، إنسان عادي جداً يجعله الله نبياً بلا سبب ؟ 
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)﴾
 فهناك جانب من النبوة كسبي، الله عز وجل اصطفى أنبياءه من قمم البشر، الآن بعد أن اصطفاهم منحهم الوحي، والمعجزات، والبيان، والتذكر التام:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾
(سورة الأعلى)
 أعطاهم وسائل النبوة، تماماً كما لو أنك أردت أن تضع سفيراً في أقوى دولة في العالم تحتاجه متفوقاً في اللغة الأجنبية، في العلوم، والآداب، وذكاء اجتماعي، وله شكل مقبول، بعد أن تتوافر فيه سياساته الأساسية، دراساته من كسبه، تمنحه جواز سفر، وحقيبة دبلوماسية، وشيكًا مفتوحًا، هذه كلها تأتي بعد الاختيار، فكأن الله عز وجل اصطفى أنبياءه وهم قمم البشر، ثم منحهم وسائل الدعوة إليه.
المذيع:
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، نرى في معجزات كل نبي تميُّزًا، وهناك تمايز في المعجزات، هل هناك من هدف من وراء ذلك ؟
الأستاذ:
 نعم، سآتي إلى هذا الموضوع بعد قليل، فالله عز وجل اختار الأنبياء من بني البشر، لأن النبي يشعر كما يشعر البشر، لكنه انتصر على بشريته، نحن خلقنا جميعاً لنكون على شاكلة محمد e، لأنه بشر فيه كل صفات البشر، لكنه انتصر على بشريته، واستحق هذه المرتبة العليّة.
 المشكلة الآن أن هذه الديانات الوضعية فيها ولاء فقط الآن وطقوس تؤدى بسهولة، لذلك الأتباع بمئات الملايين، لا يوجد جهد، ولا ثمن، يكفي أن أعلن ولائي لهذا الإله المزعوم، وأن أمارس بعض الطقوس، حركات، وسكنات، وتمتمات لا معنى لها، هذه الطقوس، أما في منهج الله عز وجل ففيه افعل، ولا تفعل، الفكرة دقيقة: الإنسان أودعت فيه الشهوات، كما قلت في الحلقة السابقة، فهي تمهيد لكل الحلقات إن شاء الله، فالإنسان أودعت فيه الشهوات، وهو مخيّر، بإمكانه أن يمارس هذه الشهوة بمئة وثمانين درجة، جاء المنهج الإلهي، وسمح لك بثمانين درجة فقط، المرأة زوجتك، المال دخل حلال، فالشهوات واسعة جداً، وأنت حر، لكن المنهج الإلهي أعطاك زاوية مسموحٌ من خلالها أن تمارس هذه الشهوة.
أقوى دليلٍ على ذلك: 
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
(سورة القصص)
 المعنى المخالف: أنه لو اتبع هواه وفق هدى الله فلا شيء عليه، لو أن الإنسان اتبع هواه في حب المرأة، فتزوج امرأة تحصنه من أن ينظر إلى غيرها، فلا بأس في ذلك، اشتهى المال ليأكل ويشرب هو وأولاده، ليسكن في بيت، فعمل في تجارة مشروعة إسلامية، لا شيء فيه، فالأنبياء حينما أرسلهم الله عز وجل معهم منهج، معهم افعل ولا تفعل، منهج الله يحدّ من شهوات المعرضين، هذا الإنسان المعرض مصلحته في أن يمارس هذه الشهوة بأوسع أبوابها، فجاءه منهج يقول له: غضّ البصر، دع الربا، والغيبة، والنميمة، والتباهي بالآباء والأجداد، فردُّ فعل هؤلاء الذين يتحركون أوسع زاوية في شهواتهم، الموقف الطبيعي لهم أن يكذبوا هذا النبي.
الله عز وجل أرسل أنبياء من بني البشر، ومنحهم تفوق في كل شيء، لكن معهم منهج، هذا المنهج يقتضي أن يحد من شهوات الناس، فرد فعل الغارقين في شهواتهم تجاه هذا المنهج أن يكذبوا الرسول، كيف يثبت الرسول أنه رسول ؟
 هنا موضوع الحلقات: كيف يثبت هذا الرسول الذي أرسله الله، ومعه منهج لهؤلاء البشر الضالين الضائعين، وقد كذبوه، وادعوا أنه ساحر، وكاهن، ومجنون، وشاعر، وهو رسول في الحقيقة، فكيف يثبت هذا الرسول لهؤلاء المعرضين الكافرين أنه رسول ؟
المذيع:
المعجزة كما ذكرنا سبب لعدم تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم.
الأستاذ:
 هذا هو السبب، أو كيف يشهد الله لهذا الإنسان أنه رسول ؟ إن شئت أن تقول: كيف يثبت هذا النبي الكريم لقومه الذين كذبوه أنه نبي أو رسول، أو كيف يشهد الله لعباده أن هذا الذي أرسله هو نبي، أو رسول، لا بد من أن يؤيده بالمعجزات، هنا بدأ محور هذه الحلقات المباركة إن شاء الله.
 المعجزة خرق للنواميس وللقوانين وللعادات، لا بد لإنجاب الولد من أب وأم، فإذا جاء الولد من أب بلا أم، أو من أم بلا أب، أو من غير أب وأم فهذا خرق للنواميس، المعجزة لا تقبلها العادات، ولكن العقل يقبلها، لماذا لأن الذي قنن هذا القانون عدّله، الذي نظّم هذا النظام بدّله، فالمعجزة هي خرق للنواميس.
 هناك ملمح لطيف جداً في هذا المجال، وهو أن الله لحكمة أرادها جعل لكل شيء سبباً، لكن الناس أحياناً يؤلِّهون السبب، ويعتمدون عليه، ويستغنون عن رحمة الله، فقد تأتي المعجزات أو خرق النواميس تذكيرًا للناس، من أن السبب لا يخلق النتيجة، لكن الله يخلق النتيجة، فأحياناً الأمطار لا تنزل، مع أن المنطقة ساحلية والمنخفضات كثيرة جداً، لكنها لا تمطر، فحينما نعتمد على السبب، ونؤلّهه فقد وقعنا في الشرك، وهذا مرض الغربيين، وحينما لا نأخذ به هذا مرض الشرقيين، ولكن نريد أن نفرق دكتور بين العلم، وأن نتبع العلم كما هو، وطبعاً أن نتبع بشكل أعمى، هنا نريد أن نفرق بهذه النقطة حتى لا نتجنى على العلم.
أنا حينما أرى زلزالا، هناك حقائق علمية وراء الزلزال، هناك حركة باطنية في الأرض، وطبقات انزاحت عن مكانها، فسببت هذا الزلزال، هذا التفسير العلمي الحقيقي الواقعي لا يتناقض مع التفسير الإلهي للزلزال.
 فالله إذا أراد إهلاك قرية زلزل أرضها فرضاً، فالله مسبِّب الأسباب، لا أرى تناقضاً بين التفسير الإلهي التوحيدي للزلزال والتفسير العلمي، لأن الله حينما يكرم يكرِم بسبب، وحينما يهلك يهلِك بسبب، إن أراد إهلاك قرية بالزلزال تتحرك الطبقات الباطنية، وتصبح زلزالاً فتدمر القرية، هل يتناقض التفسير العلمي مع التفسير التوحيدي ؟ القرآن لا يتناقض إطلاقاً.
 لكن أريد أن أقول: هذه المعجزة خرق للنواميس، يقبلها العقل، ولا تقبلها العادة، أنا أَلِفْتُ أن النار تحرق، فإذا ألقي إنسان في النار، ولم تحرقه النار فهذا خرق للنواميس، الذي أعطى النار فاعلية الإحراق عطّل هذه الفاعلية، والآية الدقيقة جداً:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً﴾
(سورة الأنبياء)
 لو قال الله: كوني برداً لمات من البرد، ولكنه قال: 
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً﴾
 لنجى، ولتعطّل مفعول النار إلى لأبد، ولكن خصص فقال:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
 فالذي خلق القانون يعطله، أو يغيره، أو يبطله، فالمعجزة في الأصل خرق للنواميس، الأنبياء السابقون، ولحكمة أرادها الله عز وجل كانت معجزاتهم حسية، أي إنها كعود الثقاب، يتألق مرة، ويصبح خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسالات، وهو للعالمين قاطبة، وهو رحمة للعالمين جميعاً، رسالته لكل البشر، فلا بد من أن تكون معجزته مستمرة، معجزات الأنبياء السابقة هي معجزات حسية، لأن لكل قوم هاد، هذه المعجزة لهؤلاء القوم، ولهم نبي، أما معجزة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه لكل البشر، ولكل أهل الأرض ينبغي أن تكون متميزة، من هنا كما تفضلت قبل قليل تميزت معجزة النبي عليه الصلاة والسلام عن بقية المعجزات بأنها مستمرة، فكانت علمية، ولم تكن حسية، حسية تقع مرة واحدة، ولن تقع بعدها، تصبح خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، لكن معجزة النبي الكريم معجزة مستمرة باقية إلى أبد الآبدين، أو نهاية الدوران، لذلك هي معجزة علمية، ففي هذا القرآن الكريم ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون، وعن المجرات، والشمس والقمر، والليل والنهار، وعن الجبال وعن البحار، والأنهار والأمطار، والأسماك والأطيار، تتحدث عن خلق الإنسان، هذا الكم الكبير من آيات القرآن الكريم الشيء الذي لا يصدق أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشرحها أبداً ‍‍! لحكمة بالغة، إما باجتهاد منه أقره عليه الوحي، أو بوحي من الله، لماذا ؟
المذيع:
العجيب فضيلة الدكتور أن الصحابة كانوا يسألون عن أشياء كثيرة، إلا هذه الأشياء.
الأستاذ:
 يسألون عن أحكام العبادات، لأنها هي التي تقربهم إلى الله عز وجل، هم عاشوا مع النبي e، ومع الوحي، عاشوا الإسلام بأقوى مظاهره، لذلك هم بحاجة إلى طاعة الله عز وجل، أما نحن ف أصل الدين عندنا مهزوز، ولا بد من أدلة قوية، لذلك نبحث عن الإعجاز.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لو تصورنا أنه شرح هذه الآيات الألف والثلاثمئة بطريقة كما أراه الله آيات الكون.
﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾
(سورة النجم)
 لو شرحها شرحاً مبسطاً جداً يتناسب مع بيئات العصر ومعطيات العلم في وقت النبي الكريم لأنكرنا عليه، الحكمة التي لا تصدق أنها تركت بلا شرح، ليتحرك العلم، ويكشف في كل وقت وزمن أسرار هذه الآيات، وتلك المعجزات، فكان هذا القرآن بحق معجزة النبي عليه الصلاة والسلام المستمرة، ولكن لا بد من تعليق بسيط: 
 مثلاً: لو كان هناك إعجاز في أن الكمبيوتر في عصر سيدنا عيسى لا قيمة له، لا بد من أن يكون الإعجاز في مجال تفوق به الكون، تفوقوا في الطب لدرجة مذهلة، فجاءت معجزة سيدنا عيسى إحياء الميت، وهذا فوق مقدور الطب، في عهد سيدنا موسى كان السحر عصا تصبح ثعبان مبيناً، هذا فوق عمل السحرة ! فيجب أن تكون المعجزة في موضوع تفوق فيه الكون، وتحداهم الله به، هذا الذي أريد أن أوضحه في موضوع المعجزات.
المذيع:
التميز، طبعاً معجزات الأنبياء، أو النبي بحسب كل قوم يأتون إليه، فضيلة الدكتور، ما دمنا في هذه الحلقات الأولى من البرنامج نريد أن تحدثنا عن تقسيم الموضوعات للحلقات القادمة.
الأستاذ:
 الكون مصطلح علمي حديث، يقابله في القرآن السماوات والأرض، وهو مصطلح قرآني يعني الكون، فهذه المعجزات، أو آيات الإعجاز العلمي للكتاب والسنة هي في حيز الكون كله، فإذا بدأنا بالمجرات بالكازارات، بالمذنبات، بالمجموعة الشمسية، بالشمس، بالقمر، بالليل والنهار، بالأرض، بجبالها، ببحارها، وبحيراتها، وأنهارها، وأمطارها، بصحاريها، بحيواناتها، بأسماكها، بأطيارها، بالإنسان، بأجهزته، وطبعه، فالحقيقة أن موضوع الإعجاز يشمل كل هذه الموضوعات، ونحن قد نأخذ بها بتسلسل، أو بغير تسلسل، العبرة أن كل موضوع يعد وحدة قائمة بذاته تدل على الله. 
 ملاحظة لطيفة – قد يسأل سائل – لمَ لم يكن القرآن مبوباً على الأبواب ؟ باب الكون، باب التشريع، باب التاريخ، باب الجنة والنار، إن كان كذلك فهو ليس كتاب هداية، هذا الترتيب ترتيب موضوعي، لكن الترتيب ترتيب سيكولوجي، هو أقرب إلى النفس البشرية، فأنت في سورة واحدة تقرأ آية كونية، وقصة من قصص الأقوام الغابرة، ومشهداً من مشاهد الجنة أو النار، ثم حكماً شرعياً، ثم توجيهاً إلهياً، ونحن حينما نتنقل من بحث إلى بحث، من إنسان، إلى طائر، إلى حيوان، إلى جبل، إلى نهر، إلى كون، إلى مجرة، هذا وفق الترتيب القرآني.
فالعبرة أن كل حلقة إن شاء الله سوف تختص بموضع متكامل يعطي الإنسان دفعة إيمانية يتأثر بها في معرفة ربه، وأنا أقول دائماً: إن هذه الآيات الكونية أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله عز وجل.
المذيع:
نشكر فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
والحمد لله رب العالمين

6‏/2‏/2015

العقل مرتبط بالواقع و الوحي مرتبط بالخالق

 حوار ممتع مع الدكتور محمد راتب النايلسي:

 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
 أخانا الكريم والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، أنا أرى أن أعدى أعداءِ الإنسان الجهل ، ومشكلة الجهل أنه يوجد عندنا جاهل بسيط ، وجاهل مركب ، من الناس من يدري ، ويدري أنه يدري فهذا عالم فاتبعوه ، منهم من يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافل فنبهوه ، من الناس لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه ، أما الرابع فمن الناس من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه .
 معركة الحق والباطل أزلية أبدية ، وأهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية ، و هذا كلام النبي الكريم :
((لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي و لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه أبط بلال))
[الترمذي عن أنس بن مالك]
 النبي الكريم - الفرق الثقة بالله - في هجرته أهدر دمه، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، تبعه سراقة ، قال له النبي الكريم : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ماذا تعني هذه الكلمة ؟ أنا سأصل إلى المدينة سالماً ، وسأنشئ دولة، وسأنشئ جيشاً ، وسأحارب أكبر دولتين في العالم ، وسأنتصر عليهما ، وسوف تأتي إلى المدينة غنائم كسرى ، و لك يا سراقة سوار كسرى، هذه ثقة النبي بنصر الله .
 من صفات المؤمن أنه واثق أن الله سينصره ، أما لو حذفنا هذه الثقة فسينتهي الدين.
المذيع:
 حتى لو بدا عكس ذلك .
الدكتور راتب :
 طبعاً امتحان من الله .
المذيع:
 تحدثتم فضيلة الشيخ عن العلم فهل تقصدون في ذلك العلم الوضعي أم العلم الشرعي؟
الفرق بين العاقل و الذكي :
الدكتور راتب :
 والله هو مطلق العلم ، إلا أن هناك علماً يمتع ولا ينفع ، هناك علم ينفع لكن في الدنيا فقط ، أما أن تعرف الله ، أن تعرف سر وجودك ، وغاية وجودك ، وعلة وجودك ، أن تعرف لماذا خلقت ، ماذا أعدّ الله لك في الآخرة ؟ هذا العلم الذي ينفع ، لذلك قالوا : ما كل ذكي بعاقل . قد تحمل دكتوراة في الفيزياء النووية فإن لم تعرف سرّ وجودك ، ولا غاية وجودك، ولا علة وجودك ، ولا من هو ربك العظيم ، ولا الجنة وما فيها من نعيم مقيم ، فأنت لا تعد عاقلاً بل ذكياً.
المذيع:
 يقول الله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾
[ سورة البقرة: 26]
 فما تعليقكم على هذه الآية الغاية في الروعة ؟
التفكر في السموات والأرض العبادة الأولى في الإسلام :
الدكتور راتب :
 التعليق على هذه الآية : ما من مخلوق أهون على الإنسان من بعوضة ، فلو وقفت بعوضة على يده فقتلها هل يشعر لثانية واحدة أنه قاتل؟ لا شأن لها إطلاقاً ، بل إن النبي قال :
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[ الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]
 لكن بعد أن اخترع المجهر الإلكتروني تبين أن في رأسها مئة عين، ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ؛ قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان ، والبعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات ، تملك جهاز استقبال حراري ، أي إنها ترى الأشياء لا بأشكالها ، ولا بألوانها ، ولا بأحجامها ، بل بحرارتها ، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية ، والبعوضة تملك جهازاً لتحليل الدم ، فما كل دم يناسبها ، تحلل قبل أن تأخذ الدم ، و معها جهاز تمييع للدم ، وجهاز تخدير، أما في خرطومها فيوجد ست سكاكين ، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع ، وسكينان تلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم ، هذا كله في البعوضة فما فوقها ، فهذه البعوضة أحقر مخلوق في نظر الإنسان ، تنطوي على هذه الدقة في الخلق ، لذلك حكمة الله في أكبر مخلوقاته كالحوت الأزرق الذي يزن مئة وخمسين طناً وفي البعوضة التي وزنها واحد على ألف من الغرام ، أي كل ألف بعوضة غرام واحد .
المذيع:
 يبدو أنها أحد السبل للتعرف على الله عز وجل .
الدكتور راتب :
 لذلك التفكر في السموات والأرض هذه العبادة الأولى في الإسلام ، سماها العلماء عبادة التفكر ، أصلها في الدين :
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران: 190-191 ]
 فالتفكر في خلق السموات أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله .
المذيع:
 الناس في أغلب الأحيان يتحدثون عن حبنا له ، ولكن قلّما نجد من يتحدث عن حب الله لنا ، فما هي العلاقة المثلى بيننا وبين الله ؟ علاقة الخوف أم الرجاء أم الحب أم ثمة علاقة أخرى ؟
العلاقة المثلى بين العبد و ربه :
الدكتور راتب :
 والله هناك حالة بينهما :
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن:78]
 أي يجب أن تعظمه إلى أعلى درجة ، وأن يرافق هذا التعظيم محبة ، ممكن أن تكون قاسياً فالناس يخافونك ، ويمكن أن تكون سهلاً فالناس يتجاوزونك ، لكن البطولة أن تحيرهم أن يحبوك بقدر ما يخافوك ، القضية دقيقة جداً هذا درس للأب والأم والمعلم والمرشد أو لأي منصب قيادي، يجب أن يحبوك بقدر ما يخافوك ، أو يخافوك بقدر ما يحبوك ، هذه قضية تحتاج إلى توازن ، أن تمسك العصا من طرف سهل جداً ، من الطرف الأيمن أو الأيسر ، أما أن تمسكها من الوسط وأنت متوازن دائماً فهذا شيء صعب ، أن يكون المؤمن على محبة لله بقدر ما يكون على خوف منه ، وهذا درس للآباء والأمهات ولأي قيادي ، القسوة البالغة أنهت العلاقة معه ، والتساهل الشديد تجاوزوه ، لا تكن ليناً فتعصى ولا قاسياً فتكسر.
المذيع:
 بين الخوف والرجاء ، الناس يعيشون سعادة الدكتور حياتهم كلها حتى يزوروا المقابر دون معرفة حقيقة الإنسان.
تميز الإنسان بالتفكر عن بقية المخلوقات :
الدكتور راتب :
 أنا ما قرأت تعريفاً جامعاً مانعاً للإنسان كتعريف الإمام الحسن البصري : الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه . ولأنه زمن بالمناسبة الأشياء المادية لها كتلة ، لها وزن ، لها حجم ، أما الأشياء النباتية فهي كتلة لها وزن ، ولها حجم ، وأبعاد ثلاثة ، وتشغل حيزاً من الفراغ ، لكن النبات ينمو ، تميز عن الجماد بالنمو ، أما الحيوان فشيء له وزن ، وحجم ، وأبعاد ثلاثة ، ويشغل حيزاً من الفراغ ، وينمو كالنبات لكنه يتحرك ، تميز عن النبات بالحركة ، أما الإنسان فله وزن ، وله حجم ، وأبعاد ثلاثة ، ويشغل حيزاً من الفراغ ، وينمو كالنبات ، ويتحرك كبقية المخلوقات ، لكنه يفكر ، أودع الله في الإنسان قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية الاستجابة لها طلب العلم ، فالإنسان ما لم يطلب العلم هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به ، فلذلك الإنسان يتحرك ويأكل ويشرب وينام ، كل هذه الصفات يشترك بها مع بقية المخلوقات ، إلا التفكر والقوة الإدراكية التي أعطاه الله إياها ، هذا التفكر من أجل أن يعرف الله :
(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
الاستقامة على أمر الله أساسها حرص الإنسان على سلامته و سعادته :
 الإنسان سعادته أن يتصل بالله ، الإنسان في الأعمّ الأغلب يحب الجمال والكمال والنوال ، والأشياء الثلاثة متوافرة في هذا الدين العظيم ، فالإنسان طبعاً كواحد من سبعة مليارات ومئتي مليون ما منهم واحد إلا ويحب سلامته ، والسلامة بالاستقامة ، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون ، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا عجز ، ولهذه الآلة صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، وانطلاقاً من حرص الإنسان على سلامته يجب أن يستقيم على أمر الله ، أما من حرصه على سعادته فيجب أن يقدم لله شيئاً ، العمل الصالح يضمن له سعادته :
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ سورة فاطر: 10]
 هذا العمل الصالح يرفع إلى الله يعود من الله على صاحبه السكينة ، هذه السكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء ، بل يشقى بفقدها ولو ملك كل شيء ، فالسعادة التي يعيشها المؤمن لا يمكن أن يتصورها غير المؤمن ، لأن هذه السعادة اتصال بالمطلق ، اتصال بالإله العظيم ، اتصال بالجميل ، بالقوي ، بالغني ، بالرحيم ، بالحليم ، فلذلك مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، إنّ بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوّارها هم عمّارها، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر.
ملازمة الأمن للإيمان و الشرك للخوف :
 كيف يكرمك الله عز وجل إذا اتصلت به ؟ قال تعالى :
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه:14]
 وقال تعالى:
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 152]
 إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية ، لكن الله إذا ذكرك منحك نعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن ، قال تعالى :
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 81-82 ]
 ما قال : أولئك الأمن لهم ، الأمن لهم ولغيرهم ، أما عندما قدمنا شبه الجملة لهم أي العبارة فيها قصر، فالأمن لهم وحدهم، أي لا يتمتع بنعمة الأمن إلا المؤمن ، أما الآخرون :
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾
[ سورة آل عمران: 151]
 الإيمان يلازمه الأمن والشرك يلازمه الخوف ، فيصبح أقوى قوة في الأرض .
المذيع:
 هناك علاقة بالطمأنينة كذلك ؟
الدكتور راتب :
﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد : 28 ]
 أنت مع من ؟ مع الخالق ؟ مع المسير ؟ مع الغني ؟ مع القوي ؟ مع الرحيم ؟ أنا أقول إذا تعرفت إلى الله ، وأخلصت له ، واتصلت به ، إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني فهناك مشكلة في الإيمان .
المذيع:
 كأنكم ربطتم مسألة السعادة بتحقيق الربوبية لله تعالى فلو فسرت لنا العلاقة بين العبودية والسعادة ؟
العلاقة بين العبودية و السعادة :
الدكتور راتب :
 هناك ذلة وسعادة ، الحقيقة اللذة حسية تأتي من طعام طيب ، من منظر جميل ، تأتي من الجمال ، هذه اللذة لها شروط ثلاثة ؛ تحتاج إلى وقت ، وإلى صحة ، وإلى مال ، لحكمة بالغة بالغة الإنسان دائماً تنقصه إحدى هذه ، في البداية لا يوجد مال هناك صحة وقوة ، بمنتصف حياته صار هناك مال و صحة لكن لا يوجد وقت ، بعد أن سلّم المعمل لأولاده صار عنده وقت ومال لكن لا يوجد صحة ، فلذلك اللذة لا تكتمل لإنسان ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .
المذيع:
 اسمحوا لي أن أعيد لكم ما فهمته من حضرتكم ، قلتم : إن اللذة مؤقتة وليست دائمة وهي مرتبطة بالحس ، وأن السعادة الحقيقية لا تتوفر في أغلب الأحيان ؟
الدكتور راتب :
 ينقص الإنسان واحدة أما السعادة فأن تتصل بأصل الجمال والكمال والنوال .
المذيع:
 المسلمون ينتمون إلى دين عظيم فيه كهذه الحكم والعبر الكثير إلا أن حال المسلمين لا تسر أحداً ، هل أصابنا الوهن ؟
حاجة الدين إلى الاستقامة :
الدكتور راتب :
 حالتهم التي لا تسر أحداً تؤكد عظمة دينهم ، لأنهم لما تركوه أصابهم ما أصابهم ، تؤكد عظمة هذا الدين الذي يحتاج إلى استقامة ، كيف إذا سألنا أحداً : هل تلخص التجارة كلها بكلمة واحدة ؟ مليون نوع ، مليار مستوى في العالم كله ، أنا ألخص التجارة كلها بكلمة واحدة إنها الربح ، فإن لم تربح فلست تاجراً ، هناك مليون مجلد عن الدين وعن تفاصيله ؛ العقائد والفقه والعبادات والمعاملات والأخلاق وأصول الفقه وأحكام الفقه والفقه المقارن ، لكن كل هذا الدين يلخص بكلمة واحدة الاستقامة ، فإن لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، الدين من دون استقامة فلكلور إسلامي ، خلفية إسلامية ، أرضية إسلامية ، توجهات إسلامية ، أقوال إسلامية ، أقواس إسلامية ، بطاقة معايدة إسلامية ، هذه ممتلئة في حياتنا ، أما حينما يقول النبي الكريم :
(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
 والمسلمون يزيدون عن مليار وسبعمئة مليون وليست كلمتهم هي العليا ، وليس أمرهم بيدهم ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل .
المذيع:
هل أصابهم الوهن ؟
الإسلام منهج تفصيلي يشمل كل جوانب الحياة :
الدكتور راتب :
 قال الله عز وجل :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
 أخي الكريم اللغة دقيقة جداً ، لو سألك إنسان : هل أنت جائع ؟ تقول : لا فقط يكفي، لكن إنساناً محترماً له مكانة كبيرة لو سأله أحدهم هل أنت سارق ؟ لا يقول : لا ، يقول: ما كان لي أن أسرق ، هذا نفي الشأن لا نفي الحدث ، نفي الشأن لا أوافق ، ولا أرضى ، ولا أقبل، ولا أغطي ، ولا أدعو ، عدّ العلماء عشرة أفعال تنفى بكلمة ما كان ، الآن تمهيد :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
 مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن نعذب وسنة النبي مطبقة في حياتنا :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
 ومنهجك فيهم ، وأمرك ونهيك فيهم :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 33 ]
 لي ملاحظة دقيقة ؛ أخوتنا المشاهدون أحياناً يتوهمون الإسلام عبادات شعائرية صوم وصلاة وحج وزكاة مع أن النبي الكريم يقول :
((بني الإسلام على خمس))
[البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]
 الخمس غير الإسلام هذه قواعد ، الإسلام منهج تفصيلي والله لا أبالغ قد يصل لخمسمئة ألف بند ، من فراش الزوجية وهو من أخصّ خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية ، فما لم تخضع لهذا المنهج في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في اختيار زوجتك ، في معاملة زوجتك ، في تربية أولادك ، في علاقتك بجيرانك ، لمن هو فوقك ، لمن هو تحتك ، لمن هو حولك ، منهج تفصيلي ، بل إن هذا المنهج يبدأ كما قلت قبل قليل من أخصّ خصوصيات الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية .
المذيع:
 ولكن البعض يقول العكس : هذا الدين إذا دخل على شيء يخص الشأن العام أفسده، أو أفسد المقدس ، بالتعبير الأكثر دقة إدخال الدين في الشأن العام يدنس هذا المقدس .
سقوط المفاهيم الراقية عند الناس تكون بالمتاجرة بالدين :
الدكتور راتب :
 الجواب إما أن تؤمن بهذا الدين ، وتبذل من أجله الغالي والرخيص والنفس والنفيس وإما أن تتاجر به ، فإذا تاجرت به كان الذي كان ، الدين لا يتاجر به ، أنت حينما تجعل من أحكام الدين مادة تجارية تتفوق بها على من حولك هذا شيء واقع الآن ، حينما تاجرنا بالدين سقطت هذه المفاهيم الراقية عند الناس .
المذيع:
 ما السبيل إلى حلّ هذا المشكل حتى لا ننسى الأصل ؟
تحطيم الأمة يكون بإضعاف الأسرة والمدرسة والمرجعية الدينية :
الدكتور راتب :
 الأمة عاشت ثلاثين عاماً أو أربعين عاماً في فساد وانحراف وتقصير ، الأمر لا يصحح بيوم ولا بسنة ، فلا بد من تربية جيل من البدايات ليكون القاعدة الأولى لهذا المجتمع، وهذه القاعدة الأولى تفرز قاعدة أصغر وأصغر وأصغر إلى القمة ، فلا يعقل أن تبني الهرم من الحجر الأعلى يجب ان تبدأ بناءه من القاعدة ، ما لم نعتمد التعليم ، مالم نعتمد أن التعليم هو بدء نهضة الأمة ، ما لم تعتمد المعلم الواعي الذي يؤمن بدينه ووطنه وقيمه ، هذا المعلم هو حجر الأساس بالنهضة ، ومع ذلك دائماً هناك تخطيط خطير جداً استعماري أن تضعف قيمة المعلم بإفقاره ، فحينما يضعف المعلم تنتهي الأمة ، ابنك من يربيه غير المعلم ؟ المعلم فقير يعمل بعد الظهر و قبل الظهر ، فحينما نضعف المعلم ونضعف المرجعية الدينية ونضعف الأسرة ، ثلاث مراحل ، الأسرة والتعليم والمرجعية الدينية ، فإذا أوحينا للأم أنك إن كنت ربة منزل فلا شأن لك أخرجناها من البيت تفلت أولادها ، وإذا طعنا بالمعلم وهو حجر الأساس بالنهضة وأضعفناه مالياً واجتماعياً انتهى التعليم ، ثم أضعفنا المرجعيات الدينية فهاجمناها ، لذلك إذا أردت أن تحطم الأمة أضعف الأسرة والمدرسة والمرجعية الدينية .
المذيع:
 للأسف لم يبق الكثير ، يقول البعض : إن حقوق الإنسان مفقودة في الإسلام ، يقول آخرون : لما مورس تطبيق تعاليم الإسلام في بعض الأماكن أو يزعم أنها تطبق وجدنا سفكاً للدماء ، ووجدنا اعتداء على حقوق الإنسان ، هل توجد بعض الآيات أو الأحاديث التي تتحدث عن حقوق الإنسان ؟
إعطاء الدين الإسلامي الإنسان حقوقه و حفظها له :
الدكتور راتب :
 والله أنا لا أنحاز إلى الدين لأنني أدعو إلى الله ، لكن الحقيقة الموضوعية أنه ما من دين أعطى حقوق الإنسان كالدين الإسلامي ، هذا الطفل يجب أن ترعاه قبل أن يولد بحسن اختيار امه ، الطفل له حق عليك ، من قال في الأرض : إن حق الطفل على الأب يبدأ قبل الزواج ؟ فالحقيقة هذا منهج إلهي ، أنت حينما تقول : منهج خالق الأكوان منهج العلم المطلق، والخير المطلق ، والمكانة المطلقة ، والقيم المطلقة ، والحق المطلق ، أنت مع المطلقات في الدين ، المشكلة المؤلمة أن القلة القليلة ممن يتاجر بالدين يشوهون سمعة الدين في كل الأنحاء، كنت مرة في أوربا أقسم لي أحدهم قال : والله تتمتع الجاليات الإسلامية بأعلى مستوى من الفهم و الوعي ، لكن قلة قليلة من هذه الجاليات تشوه سمعة كل الجاليات ، المشكلة كبيرة جداً فلذلك نحن في محنة كبيرة ، والمحنة وردت في بعض الشواهد الإسلامية ، نحن بآخر الزمان ، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت استباحوه، موتٌ كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتل ؟ هناك شواهد كثيرة جداً إذا أسند الأمر لغير أهله فانتظر الساعة .
(( إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فالزم بيتك ، وأمسك لسانك ، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر ...))
[ أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني ]
 موضوع طويل فنحن في آخر الزمان نعاني ما نعاني .
المذيع:
 ما السبيل إلى النجاة ؟
العلم سبيل نجاة الأمة :
الدكتور راتب :
 أنا لا أرى سبيلاً للنجاة إلا العلم ، الإنسان كائن فحينما يقتنع أن هذا العمل لصالحه يفعله ، أي الدين توقيفي لا يضاف عليه ولا يحذف منه ، إنك إن أضفت عليه اتهمته بالنقص ، وإن حذفت منه اتهمته بالزيادة ، ولكن التجديد في الخطاب الديني لماذا ؟ الخطاب الديني هو الذي يتفاعل معه الناس ، فحينما يكون هذا الداعية مطبقاً لما يقول ترتقي الدعوة ، لذلك قالوا : القدوة قبل الدعوة . والإحسان قبل البيان ، فأنا لا أقنع بأذني أقنع بعيني ، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، فالقدوة قبل الدعوة ، أنا أريد كما يقال : الكون قرآن صامت ، و القرآن كون ناطق ، و النبي عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي ، ما لم يرّ الناس إسلاماً يمشي إن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف ، ما لم تر إسلاماً يمشي أمامك لن تقنع بهذا الدين كفكر ، كمحاضرات ، كخطب ، كبيانات ، هذا الآن لا يقدم ولا يؤخر ، نريد إسلاماً يمشي أمامنا ، نريد أن نراه بعيوننا لا بآذاننا .
المذيع:
 كما قيل : إن النبي عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي في الأسواق وبين الناس.
الدكتور راتب :
 فالآن الإسلام يمشي في الأسواق.
المذيع:
 تميزت محاضراتكم بأنها إضافة أنها تتحدث عن الرقائق والروحانيات تحدثت أيضاً عن العلم والإعجاز العلمي إلا أن البعض يقول : إن السمت البالغ على محاضراتكم هو هذان الأمران ، فهل هو خيار لفضيلتكم ؟
من أحسن توجيه الناس إلى الله فارتقاء الشأن العام آلية حتمية :
الدكتور راتب :
 أنا قناعتي الشيء العام ينبع من الشيء الخاص أولاً ، الشيء العام أساسه شيء خاص ، فإذا أحسنت توجيه الناس إلى الله عز وجل فارتقاء الشأن العام آلية حتمية ، أنا إذا اهتممت بالشأن العام و لم يكن هناك أرضية لهذا الشأن العام ، لا يوجد روادع ، أنت تقدر أن تحاسب إنسان إذا أخطأ أمامك ، فإذا غاب عنك لا يوجد قوة تضبطه ، هذا الذي يعمل في الفرن الساعة الثانية ليلاً إذا دخل إلى الخلاء ولم يغسل يديه وتابع العجين من يضبطه ؟ لا يمكن أن تضبط الأمور إلا بالإيمان ، هناك ضبط إلكتروني بأي سوق في أوربا أو أمريكا ، تحمل حاجة لم تدفع ثمنها هناك لصاقة على هذه الحاجة تعطي أمر إنذار ، تغلق الأبواب ، وتُصدر أصوات مخيفة جداً ، فالناس مستقيمون استقامة الكترونية ، أما عندما قطعت الكهرباء في بعض دول أمريكا تمت مئتا ألف سرقة بقيمة ثلاثين مليار دولار لساعات ، فالانضباط الكتروني ، أما أنا فأريد انضباطاً ذاتياً ، هذا الانضباط :
(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))
[ كنز العمال عن عمر]
 سيدنا عمر يمشي في الطريق وجد راعياً ، قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال له : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت وخذ ثمنها ؟ قال : ليست لي، قال له : خذ ثمنها؟ قال له : والله إنني لفي أشدّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
 أنا هكذا في اللحظة التي يبدأ الإنسان العربي يقول : أين الله ارتقينا ، ما دام قوياً وعنده إمكانيات أن يأخذ ما ليس له ، وعنده إمكانيات أن يكذب ويدجل ، نحن في الحضيض إلى أن نقول : أين الله ؟ إلى أن نحدث رقابة إلهية ذاتية علينا ، هذه تحتاج إلى جهد كبير .
المذيع:
 جيء بأحد الصالحين وقيل له : قل بأمر ما يختلف مع ما يعتقد أنه صواب ، وهدد بالقتل ، الإمام أحمد في قضية خلق القرآن ولست متأكداً قيل له : إن الناس بحاجة إلى علمك فقل للسلطان عكس ما تعتقد أنه صحيح فقال قولاً مشهوراً : إن كان الناس بحاجة لعلمي فهم في حاجة أمس لمن يعلمهم المبدأ ، فيقول البعض : ربما ننتظر من علمائنا الصدع بقول الحق في مسائل تهم الشأن العام فكيف نقارن بين هذين الفهمين؟
العلماء أنواع ثلاثة :
الدكتور راتب :
 والله العلماء بعضهم صدعوا ودفعوا ثمناً غالياً ، وبعضهم صمتوا ، وبعضهم نافقوا ، فالذين نافقوا سقطوا من عين الناس ، انتهوا ، والذي صدعوا ارتقوا كثيراً عند الله ، والباقون بين بين ، الناس يعذرونهم، الناس يعذرون الساكت ولا يعذرون المادح .
المذيع:
 لا يعذرونه فقط بل يحبونه لأن فرق كبير بين المادح والساكت ، قال الدكتور عبد الله المصلح وكان ضيفاً هنا في نفس الكرسي الذي تجلسون حضرتكم عليه الآن سألناه عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فقال : هو رأس الحربة في الدعوة إلى الله ، فهل تشاطرونه الرأي؟
الإعجاز العلمي سبيل لإقناع الغرب بالإسلام :
الدكتور راتب :
 أقول لك كلمة دقيقة : حينما صعد رواد الفضاء إلى القمر وتجاوزا طبقة الهواء ، وفي طبقة الهواء حادث فيزيائي اسمه انتثار الضوء ، ذرات الهواء تعكس بعض الأشعة على ذرات أخرى لم تصبها أشعة الشمس، في الأرض شيء اسمه ضياء ، وشيء اسمه أشعة ، فلما صعد رواد الفضاء كان هناك انتثار للضوء ، الأرض منيرة فلما تجاوزوا طبقة الهواء صاح رائد الفضاء بأعلى صوته : لقد أصبحنا عمياناً ، إذا تجاوزنا الغلاف الجوي وانعدم انتثار الضوء ، هذا حادثة بأبولو ثمانية ، أحد علماء مصر الكبار في الفلك كان حاضراً بنفسه في فلوريدا ، فإذا قرأت القرآن :
﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 14-15]
 ما هذا التطابق بين آية وردت قبل ألف وأربعمئة سنة وبين حقيقة علمية كشفها رواد الفضاء وهم في طريقهم للقمر ؟ شيء مذهل ، حينما يقول الله عز وجل :
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
[ سورة الروم: 2-4]
 أدنى الأرض غور فلسطين ، بعد اكتشاف أشعة الليزر تبين أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض قطعاً فجاءت الآية تؤكد الحقيقة العلمية التي اكتشفت بأشعة الليزر، حينما قال الله عز وجل :
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
[ سورة النجم : 45]
 علم الأجنة بعد عمر مديد اكتشف أن الذي يحدد جنس الجنين - ذكر أو أنثى -ليست البويضة ولا علاقة لها بذلك ، لكنه الحوين ، فتأتي الآية :
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾
[ سورة النجم : 45-46]
 أنا بهذا الموضوع هناك ألف وثلاثمئة آية في القرآن الكريم تبين عظمة هذا القرآن ، وأن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، أنا أرى الآن أن الغرب يؤمن بالعلم ، فإذا كشف حقيقة مذهلة في أيام قريبة ثم اكتشف أن القرآن يشير إليها ، الحقيقة القطعية التي ينبغي أن نؤمن بها أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، فأنا لا أرى مادة الآن تقنع الغرب بالإسلام كالإعجاز العلمي . 
المذيع:
 هذا الدين الذي يعطي أهمية للعقل نجده في مواضع كثيرة يوجب الاعتماد على النقل فما الرابط بين العقل والنقل ؟
ارتباط العقل بالواقع و الوحي بالخالق :
الدكتور راتب :
 أولاً : العقل مرتبط بالواقع ، السبب لو أحيينا إنساناً من قبره مات قبل خمسين عاماً، أعطيناه قرصاً مدمجاً ، هناك قرص مدمج فيه خمسة عشر ألف عنوان كتاب ، عنوان غير كتاب ، قد يكون الكتاب أربعين جزءاً ، ويمكن أن تبحث في هذه الكتب بأكملها في دقيقتين في أي موضوع ، لو أطلعنا الإنسان الذي عاش قبل خمسين عاماً على هذا الشيء لا يصدقه ، فالعقل مرتبط بالواقع ، أما الوحي فمرتبط بالخالق ، فهما بالأساس لا يعترضان ، لأن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، كل كلمة معها صفة النقل الصحيح لأن هناك نقلاً غير صحيح ، وخط العقل الصريح ، هناك عقل تبريري غير صريح ، وخط الفطرة السليمة ، هناك فطرة منهزمة مكتومة ، وخط الواقع الموضوعي ، هناك واقع مزور ، فإذا كان الحق نقلاً صحيحاً وفطرة سليمة وعقلاً صريحاً وواقعاً موضوعياً كان هو الحق ، فعلى الداعي في هذه الدائرة أن يعطيك النص الصحيح ، ويعطيك التفسير الصحيح العقلي المنطقي الواقعي، ويعطيك موقف الفطرة منه ويعطيك أن الواقع يؤيد هذا الشيء ، فلهذا قالوا : العلم علاقة قطعية بين متغيرين ، تطابق الواقع ، عليها دليل ، لو ألغيت الدليل لكان تقليداً ، والله عز وجل لم يقبل الاعتقاد به تقليداً قال تعالى :
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
 لو قلدت العقيدة الصحيحة لا تقبل منك ، قال : فاعلم ، الحقيقة لو ألغيت الواقع لكان جهلاً ، لو ألغيت الدليل لكان تقليداً ، لو ألغيت العلاقة الثابتة القطعية لكان وهماً أو شكاً أو ظناً، خلاف العلم الوهم والشك والظن ، خلاف الدليل التقليد ، خلاف الواقع الجهل ، فالعلم علاقة قطعية بين متغيرين، تطابق الواقع عليها دليل ، فإذا كان ديننا دين علم ودين عقل ودين واقع هذه من نعمة الله الكبرى .
المذيع:
 نتمنى أن ترجع إلينا مرات ومرات ؛ السؤال الأخير عن عزوف المسلمين في المشاركة وإبداء الرأي فيما يتعلق بالشأن العام ، ويقول : أنا لا يهمني ماذا سيفعل الحاكم ؟ لن يصلح حال الأمة ؟ سأبقى ملتزماً في بيتي .
عزوف المسلمين عن المشاركة وإبداء الرأي فيما يتعلق بالشأن العام :
الدكتور راتب :
 هذا مرض نشأ من خمسة عقود سابقة ، حينما كان هناك القهر والاستبداد ، وإلغاء الآخر وإلغاء الاعتراض ، أي إنسان يعترض ينتهي ، تراكمت هذه الممارسات القمعية في العالم الإسلامي في العقل الباطن للإنسان ، فهذا العقل الباطن للإنسان حلّ مشكلته بالبعد عن السياسة كلياً ، بالبعد عن الشأن العام كلياً ، لأن القضية خطيرة جداً ، فلما صار هناك ربيع عربي وأتمنى ألا يكون خريفاً عربياً ، فلما صار ربيع عربي بقي الناس على حالتهم السابقة ، متقوقعين بعيدين عن المشاركة في الشأن العام ، أنا أقول : الذي لا يشارك في الشأن العام يدفع الثمن باهظاً ، وفي بعض البلاد الإسلامية دفع شعبها ثمناً باهظاً جداً جداً ، والسبب الواقعي والحقيقي أن هذا الشعب عزف عن الشأن العام ، وانتبه إلى شأنه الخاص ، فإذا عزف الإنسان عن الشأن العام واهتم بشأنه الخاص قد ينجح لفترة لكن بعد ذلك هناك درس بليغ جداً وهذا الدرس أتمنى ألا تقع به أمة أخرى ، لما نعزف عن الشأن العام ونهتم بالشأن الخاص هناك عقاب كبير من الله .
المذيع:
 نسأل الله السلامة ، وصلنا لنهاية الحلقة فلكم فضيلة الشيخ كلمة الختام.
انتصار الأمة يكون بتطبيق منهج الله فقط :
الدكتور راتب :
 والله إذا أردت نجاح الفرد ، قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾
[ سورة التحريم : 8 ]
 إذا أردت نجاح الأمة فبتطبيق منهج الله ، الفرد له وسائل للنجاح ، أن يتعرف إلى الله ، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، فالعبد يرجع إلى الله ، الحقيقة هناك حركة أمامه تحركه ، هذه الحركة يجب أن تكون وفق منهج الله ، ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، والدليل :
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص: 50 ]
 المعنى المخالف : الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، لا يوجد حرمان في الإسلام هناك ترشيد ، فنحن كفرد إذا اصطلحت مع الله ، وطبقت منهجه ، كل الشهوات التي أودعها الله فيك لها قنوات نظيفة عفيفة ترقى بها ، وأما الأمة حينما تطبق منهج الله فستنتصر ، إن لم تطبقه لا تنتصر هذا ملخص الملخص .
خاتمة و توديع :
المذيع:
 نسأل الله النصر لأمة الإسلام في جميع بقاع المسلمين ، أشكركم فضيلة الشيخ سعادة الدكتور محمد راتب النابلسي ، كان معنا في هذا اللقاء الخاص ، نسأل الله أن يجعل كل ما تفضل به الشيخ في ميزان حسناته ، مشاهدينا الكرام نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، دمتم في حفظ الله .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
والحمد لله رب العالمين