‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات ايمانيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات ايمانيه. إظهار كافة الرسائل

23‏/1‏/2017

لماذا دلل رسولنا صلوات الله عليه اتباع غيرنا من الملل بجحر الضب.. وليس غيره ؟؟؟


روى الإمام البخاري في صحيحه
عن أبي سعيدالخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
"لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟".

لماذا جحر الضب؟! .........كان هذا التساؤل
 *ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم  هو وحي عن رب العزة ، فلماذا اختار الله تعالى جحر الضب ولم يكن جحر لحيوان آخر من المشهور عنهم الحياة داخل الجحور ، لماذا؟!

يقول أحدهم :(بعد البحث في الأمر و من خلال مرئية لأناس يصطادون ضب، وهنا كانت المفاجأة مع علمي بما قاله علمائنا بأن مقصود الحديث  التحذير من اتّباعهم!

فلو شاهدت طريقتهم في اصطياد الضب ، والتي تقوم بملئ جحره ماء و هذا الماء يتكاثر قليلا قليلا حتى يضيق المكان ،فيضطر للخروج مما يوقعه بقبضة عدوه بسهوله و دون عناء حيث أن الضب يقوم بعمل فتحة واحدة للجحر بخلاف باقي الحيوانات  تعمل عدة فتحات  بغرض التهويه والتمويه وسهولة الهروب ..

إذا جحره هلكة، مميت لمن بداخله ، قال أهل المعرفة بأن جحر الضب يجمع بين القذارة الشديدة، والضيق الشديد؛ الأمر الذي لا يدع لعاقل مجالا لرؤية أي جماليات فيه .

وعلى هذا نفهم من صياغة الحديث و واقع الجحر أن من يتبع سنن وأفعال الكافرين سيسير على خطاهم خطوة خطوة و لو بلغوا ما بلغوا من الشطط و البذاءه .
 و أعجب كيف يكون هذا ونحن من حذرنا رسولنا صلوات الله عليه  قبل ١٤٠٠ عام و لعمري تعتبر هذه نبوءه اذ كيف له أن يعلم هذا و من أين له أن يعلم أننا سننقاد لهم و ننبهر بما وصلوا له من تحضر مادي و تقني يغشي على قلوب و أبصار الكثير منا حتى ينطبق علينا مدلول هذا الكلام و هذا الغيب.

                      انه من لدن عليم حكيم). 

20‏/12‏/2015

على ماذا فُطرت النفس البشرية؟ وما قوانينها؟



 جسم الإنسان: خلقه الله في أحسن تقويم, قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
[سورة البلد الآية: 8 - 10]
 حواس خمس، أعضاء، وأجهزة، قلب, ورئتان، كبد، وكليتان، وعضلات، وأعصاب، وعظام، وشعر، ووجه، وجلد، شيء يحير العقول, قال تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾
[سورة التين الآية: 4 - 5]
 كما أن خلق الإنسان, كان في أحسن تقويم, جبلة النفس، هذه النفس البشرية لها جبلة، كيف أن الجسم له أجهزة، وأعضاء، وحواس, وخصائص، أعصاب حس، وأعصاب حركة، وجملة ودية، وجملة نظيرة الودية، ودماغ فيه مئة وأربعون مليار خلية، لم تعرف وظيفتها بعد، وثلاثمئة مئة ألف شعرة، ولكل شعرة شريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية, وغدة صبغية، هذا التعقيد البالغ في جسم الإنسان, يقابله إعجاز في جبلة النفس، هذا الكلام ينطلق من قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7 -8]
 وأتمنى أن يتتبع المؤمن آيات القرآن الكريم المتعلقة بجبلة النفس، فهذه الآية من هذا الموضوع .
ما فطرت عليها النفس البشرية :

طورة أو مجبولة -أو بالتعبير الحديث-: المبرمجة على أنها تعرف ذاتياً, خطأها من صوابها، خيرها من شرها، إحسانها من إساءتها، تقواها من فجورها بالفطرة، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 14 - 15]
 هذه خصيصة .
 أيها الأخوة, الإنسان يحاسب على هذه الفطرة التي فطره الله عليها، ولو لم يلتقِ لا بنبي، ولا رسول، ولا مرشد، ولا عالم، ولم يقرأ كتاباً، ولم يسمع شريطاً، جبلة نفسه أساسها أنها: تعرف استقامتها من انحرافها، معرفة ذاتية فطرية من دون معلم، وهذه الفطرة هي التي تعذب صاحبها, حينما ينحرف، مجبولة على الكمال, فإذا خرج الإنسان عن منصوص الكمال عذبته فطرته، وهذا عبر عنه علماء النفس بالكآبة .
 مرض الكآبة: هو مرض شائع الآن بين معظم الناس، لأنهم خرجوا عن قوانين فطرتهم، وخرجوا عن منهج ربهم، ولأن أنفسهم مفطورة ومجبولة على حب الكمال، فإذا ارتكب الإنسان نقص يتألم .
 يعني: أنت لو شاهدت إنسان يظلم إنسان, تتألم, مع أن هذا الظلم لم يقع عليك، لكن أنت مجبول جبلة أنك تحب الكمال، لو سمعت قصة عدل تطرب بها أشد الطرب، لو سمعت موقفا رحيمًا تطرب له أشد الطرب، لو بلغك موقف لئيم فيه قسوة بالغة تنزعج أشد الانزعاج.
من قوانين النفس البشرية
1-أنها تحب الكمال والجمال والنوال :
 قال تعالى:
﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[سورة الروم الآية: 30]
((كل مولود يولد على الفطرة))
 الفطرة أن تحب الكمال، الصبغة أن تكون كاملاً .
((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها))
 أحد قوانينها: أنها تحب المحسن، وتحب الجميل, وتحب الكريم، فالنفس جبلت على حب الكمال والجمال والنوال, هي من قوانين النفس، كل هذه قوانين .
2-أنها تخاف :
 قانون آخر: أنها تخاف، موضوع درسنا اليوم .
 الخوف: أحد خصائص النفس, جبلة جبلنا عليها، نخاف من فقد رزقنا، نخاف من فقد صحتنا, نخاف من فقد حياتنا، نخاف من أن يصاب أولادنا بمرض، نخاف من شقاء زوجي، نخاف من إذلال، نخاف من اضطهاد، نخاف من قهر, هذه فلسفة الخوف .
هذه حكمة الله من قانون الخوف في النفس البشرية :
 أيها الأخوة, فلسفة رائعة جداً، الخوف: أحد البواعث الكبرى لطاعة الله، أحد البواعث الكبرى للتوبة لله عز وجل، أحد البواعث الكبرى للصلح مع الله، أحد البواعث الكبرى كي تساق إلى باب الله، إذا لم يخف الإنسان لا يتوب، إذا لم يخف لا يصلح عمله، إذا لم يخف لا يصطلح مع الله، فالخوف باعث، والله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية: 19]
 يعني: هكذا خلقته، أنا خلقته خائف، شديد الخوف لمصلحته, قال تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية: 19]
 هذا الضعف في أصل خلقه ولمصلحته، لأنه يخاف يتوب، لأنه يخاف يعبد الله، لأنه يخاف يتحرّى الحلال، لأنه يخاف يبتعد عن الظلم، لأنه يخاف يبتعد عن الزنا، هذا الذي لا يخاف إنسان غير سوي، إنسان خرج عن قواعد فطرته، تخاف الله بقدر معرفتك, طيب لا سمح الله، ويعصي الإنسان الله عز وجل بقدر ضعف معرفته, فكلما اشتدت معرفتك بالله عز وجل، اشتد خوفك منه .
 أشد الناس خوفاً من الله: هو رسول الله، لأنه أعظمهم معرفةً به، وأقل الناس خوفاً من الله: هو الجاهل، والخوف بقدر العلم .
 لا حظ الطبيب, حينما يبالغ في غسل الخضار والفواكه، لأنه يقول لك: هناك وباء، هناك حمى مالطية، هناك وجبة التهاب سحايا، هناك أمراض كثيرة جداً، فعلمه الشديد يدفعه إلى المبالغة في تنظيف الفواكه والخضار، وكل إنسان يخاف بقدر علمه، فالخوف إحدى خصائص النفس البشرية، خصيصة أساسية .

هذه الحالة التي ينبغي أن يجمعها المؤمن في قلبه :
 أيها الأخوة, المؤمن لا بد من أن يستقر في قلبه خوف يحمله على طاعة الله، ولا بد من أن يستقر في قلبه محبة لله, كي يقبل عليه من باب الرجاء، ولا بد من أن يستقر في قلبه تعظيم لله .
((يا رب, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني, وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقه، قال: يا رب, إنك تعلم أنني أحبك, وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي, ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني))
 فإذا كان في قلبك تعظيم مع حب، مع خوف، فهذه حالة طيبة كاملة، في قلب المؤمن.
 أيها الأخوة الكرام, ومن رحمة الله بنا: أنه يسوق لنا الشدائد كي نخافه، ويسوق لنا الرحمات كي نحبه، ويسوق لنا الآيات كي نعظمه، وهذه تربية الله للإنسان، الآيات الباهرة كي تعظمه، التعظيم مطلوب .
تعليق لطيف :
 هناك تعليق لطيف جداً وهو: أن الحب وحده من دون تعظيم, لا يحملك على طاعته، الإنسان قد يحب أمه محبةً شديدة، لشدة عطفها عليه، ومع ذلك قد لا يطيعها، أما إذا اقترن الحب بالتعظيم, حملك على الطاعة، لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾
[سورة الحاقة الآية: 30 - 32]
 لماذا؟ قال:
﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الحاقة الآية: 33]
 هو يؤمن بالله، ولكن لا يؤمن بالله العظيم، فالآلاء من خلالها تعظم الله عز وجل, يعني: أنت قد تلتقي بإنسان شكله لا يعجبك، لا يملأ عينك، أما إذا علمت أنه يملك أكبر ثروة فرضاً، أو إذا علمت أنه يحتل أعلى منصب، أو إذا علمت أنه يحمل أعلى شهادة، رغم شكله الذي لا يعجبك، وحجمه الصغير، وقد يكون دميمًا، تقف أمامه في منتهى الأدب، أنت تعرف عنه الشيء الكثير.
 أيها الأخوة, كلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل، ازداد تعظيمك له، والتعظيم يحملك على طاعته .



قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
هذا هو التوحيد :
 أخواننا الكرام, التوحيد شي رائع جداً: أن ترى يد الله وحدها تعمل، ألا ترى مع الله أحداً، لا شريكًا، ولا رجلاً قويًّا، ولا رجلاً مخيفًا، ولا رجلاً يفعل ما يهدد، كلهم دمى بيد الله عز وجل، حتى الأقوياء منهم, عصي بيد الله عز وجل.

لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له الملك و له الحمد و هو على شيئ قدير

( الدكتور محمد راتب النابلسي-بتصرف)

24‏/10‏/2015

الطب في الإسلام

حينما قال الله عز وجل :
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
[ سورة الشعراء : 78-80 ]

هناك ملمح لطيف في هذه الآيات .
 أولاً :
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي ﴾
 فَنَسَبَ الخلق إلى الله عز وجل .
 ثانياً :
﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾
 نسب الإطعام والسقيا إلى الله عز وجل .
 ثالثاً :
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
 نسب المرض إلى الإنسان ، لأن أصل المرض خروج عن منهج الله عز وجل ، وكأن الإنسان مصمم ألا يمرض ، فإذا خالف منهج الله في طريقة حياته ، وفي طعامه وشرابه ، وفي وضعه النفسي ربما كانت هذه المخالفات في مجموعها تسوق الإنسان إلى خلل في صحته .
الصحة الجسدية : المؤمن القوي .
 فالإنسان دين الفطرة ، يحرص في تعاليمه على صحة الجسد ، وطهر النفس ، ويوازن بين المادة والروح ، وبين الحاجات والقيم ، ويهدف إلى إصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة ، وأن الأُولى مطية الثانية ، إن صحة الجسد مرتكز لسلامة النفس وسموها ، ومنطلق لصحة العقل ، وتفوقه فالله سبحانه وتعالى جعل صحة الجسد وقوته ورجاحة العقل واستنارته علة الاصطفاء ، فقال تعالى :
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 247]
 في قصة سيدنا موسى مع سيدنا شعيب قال تعالى :
﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[ سورة القصص : 26]وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))
[ مسلم ، ابن ماجه ، أحمد ]
المذيع :
 ولكن هناك البعض من يفسر هذا الحديث النبوي الشريف على أن الله هو الذي خلق هذا القوي ، فلماذا يميز الله القوي عن الضعيف ؟
الأستاذ :
العمل الصالح هو قوام الحياة الدنيا وثمن الآخرة
نحن نفرق بين قوة مكتسبة ، وبين قوة من قضاء الله وقدره ، وبين ضعف مكتسب و ضعف من قضاء الله وقدره .
 الغنى قوة ، والعلم قوة ، وأن تكون في مركز دقيق قوة ، فهذه الأشياء قد تكتسب بالسعي والجد ، وقد لا تكتسب ، فإذا تحدثنا عن فضل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف فالمقصود بالقوة التي هي من كسب المؤمن ، لكن هناك ملمح دقيق جداً ، هو أن طريق القوة إذا كان سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن القوي أمامه خيارات في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، وبأن العمل الصالح هو قوام الحياة الدنيا ، بل هو ثمن الآخرة ، أما إذا كان طريق القوة محفوفاً بالمعاصي والآثام ، والكذب والنفاق ، والشرك فمرحباً بالضعف ، فهو وسام شرف في صدر الإنسان ، أضيف على ذلك إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون غنياً ، لأن خيارات الغني في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، أما إذا كان طريق الغنى محفوفاً بالمعاصي والآثام ، والنفاق والكذب ، والدجل فمرحباً بالفقر ، فهو وسام شرف في صدر الإنسان .
الطب الطبيعي :
 الطبّ ـ أستاذ عبد الحليم ـ أنواع عديدة ، منه الطب الطبيعي ، فشخصية المسلم مرتكزة على العطاء لا على الأخذ ، مرتكزة على بذل الجهد لا على استهلاك جهد الآخرين ، مرتكزة على العمل لا على الأمل ، على الإيثار لا على الأثرة ، على التضحية لا على الحرص ، على إنكار الذات لا على تأكيدها ، إن بذل الجهد في حد ذاته صحة ، وأية صحة .
 شخصية المسلم مرتكزة على العطاء
في بعض المؤتمرات الطبية التي عقدت في البحث في أمراض القلب اتفق المؤتمرون على أن صحة القلب في بذل الجهد وراحة النفس ، وأن طبيعة العصر الحديث تقتضي الكسل العضلي ، والتوتر النفسي ، والكسل العضلي وراء تفاقم أمراض القلب في معظم البلاد المتقدمة تقدماً مادياً ، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر كان معه رواحل قليلة ، وأصحابه أكثر من ثلاثمئة رجل ، فأعطى توجيهاً وقال :
(( وَأَنَا وَعَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ عَلَى رَاحِلَةٍ ، فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ e ، فَكَانَتْ نَوْبَةُ رَسُولِ اللهِ e ـ دورُه في السَّيْرِ ـ فقالا له : نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ ـ ليظلَّ راكباً ـ فقال : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ ))
[النسائي وأحمد عن ابن مسعود]
 رسول الله e ، قائد الجيش زعيم الأمة قال قولة تكتب بماء الذهب : بذل الجهدً كغيرك من الناس يؤكد إنسانيتك وتواضعك وفيه صحة وأدب وأخلاق
(( مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي عَلَى السَّيْرِ ، وَلاَ أَنَا بِأَغْنَى مِنْكُمَا عَنِ الأَجْرِ ))
 أنا أقول : بذل الجهد في حد ذاته صحة للجسم ، كان e مع أصحابه في سفر ، أرادوا أن يعالجوا شاةً ، فقال أحدهم : عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، فقالوا : يا رسول الله ، نكفيك ذلك ؟ قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه . 
 لمجرد أن تبذل جهداً يؤكد إنسانيتك وتواضعك وإحساسك أنك كغيرك من الناس ، لست مستعلياً عليهم ، ولا متغطرساً عليهم ، هذا في حد ذاته صحة وأدب وأخلاق ، فبذل الجهد هو الطب الطبيعي ، أكثر أمراض القلب في هذه الأيام بسبب الكسل العضلي ، وعدم بذل الجهد ، والتوتر النفسي ، وصحة آبائنا وسلفنا الصالح بسبب أن عندهم جهداً عضلياً كبيراً هو أحد أسباب صحتهم ، وعندهم راحة نفسية عالية أساسها التوحيد .
المذيع :
 فضيلة الدكتور راتب ، بما أنك ذكرت لنا المرض النفسي في حديثك ، هل ذكر الطب النفسي في القرآن الكريم ، أو السنة الشريفة ؟
الطب النفسي :
الأستاذ :
 الأمراض النفسية أساسها الشرك
نعم ، الطب النفسي أساسه التوحيد ، والأمراض النفسية أساسها الشرك ، أنت حينما توقن يقيناً قاطعاً أن أمرك كله بيد الله ، وأن الله يعلم ، ويرى ، ويسمع ، وأنه على كل شيء قدير ، وأن كل ما في الكون بيده ، وأنه عادل ، وأنه رحيم ، وأنه غني ، وأنه قدير ، وأنه يستجيب لك إذا دعوته ، وأنه يسمع نداءك ، هذه المعاني التوحيدية في حد ذاتها صحة نفسية ، بينما إذا توهمت أن هذا الإنسان لا يحبك ، ويتمنى أن يقضي عليك ، وهو أقوى منك ، فهذه المشاعر وحدها تسبب أمراضًا نفسية ، وأمراضًا في الجسد لا يعلمها إلا الله ، الطب النفسي يمكن أن نقول عنه : إن هناك أمراضًا كثيرة ، بعضها عضال ، وبعضها مميت ، كأمراض القلب والشرايين ، وأمراض جهاز الهضم والكليتين ، والأمراض النفسية والعصبية إنما ترجع أسبابها الرئيسة إلى أزمات نفسية يعاني منها إنسان الشرك في هذا العصر ، قال تعالى :
﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران : 151]
 فتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، وأنت من خوف الفقر في فقر ، وأنت من خوف المرض في مرض ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾
[ سورة المعارج : 19-26]
 بعض الأطباء يرى أن ضغط الدم في حقيقته هو ضغط الهم ، لذلك قال تعالى :
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء : 213]
 ضغط الدم في حقيقته هو ضغط الهم
الطب النفسي يرتكز على التوحيد والأمراض النفسية أساسها الشرك ، قال تعالى :
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء : 213]
 لأن المؤمن يرى أن كل شيء بقضاء من الله وقدر ، قال تعالى :
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 51]
 هذه المعاني التوحيدية تهب الإنسان صحة نفسية ، والصحة النفسية أساس صحة الجسد ، فالتوحيد صحة ، والشرك مرض ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، والإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، هذا هو الطب النفسي ، أن تكون مع الله ، وإذا كنت مع الله كان الله معك ، وإذا كان الله معك كان معك كل شيء ، وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ، ماذا فقد من وجدك ، وماذا وجد من فقدك ؟ هذه المعنويات العالية للمؤمن تحقق له هذه الصحة النفسية التي هي صحة للجسد .
 أنا أعتقد أنه كلما تقدم العلم كشف أن معظم الأمراض ترجع في أسبابها الحقيقية إلى شدة نفسية ، ثم إنني أرى أن هذه الشدة النفسية أساسها ضعف الإيمان بالله ، وأساسها ضعف التوحيد ، وأساسها حُجُب كثيفة بين العبد وربه بسبب المعاصي والآثام التي يرتكبها .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ، ما دمنا تحدثنا عن الطب النفسي في الإسلام ، والطب الطبيعي ، ولكن هناك طب حديث نوعاً ما ، لا أعلم إن كان تحدث عنه الإسلام ، فهناك الطب الوقائي ، مثلاً ، أن يزيل أسباب المرض قبل وقوع المرض .
الطب الوقائي :
الأستاذ :
 الوقاية خير من العلاج
النظافة، قال تعالى :
حدثني صديق أنه كان في ألمانيا ، فرأى مستشفى من أضخم المستشفيات كُتِب عليها باللغة الألمانية هذه العبارة : " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع ، وإذا أكلنا لا نشبع " ، تحت هذه العبارة كتب : " محمد بن عبد الله " ، وعدّ هذا الحديث أصلاً في الطب الوقائي ، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج ، ليس من السهل أن تعالج مرضاً ، لكن من السهل جداً أن تتقيه ، وهذه حقيقة مهمة جداً في الطب الوقائي ، النظافة ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 222]
 من الطب الوقائي الوضوء والصلاة ، انتهى إلى علمي أن علماء كبار في السويد ، هذا البلد المتفوق في التمارين الرياضية ، أن علماء كبار في هذا الاختصاص أرادوا أن يضعوا برنامجاً رياضياً يقوم به كل الناس كل يوم ، ذكوراً وإناثاً ، صغاراً وكباراً ، دون أن يرهق قلوبهم ، ودون أن يعطل أعمالهم ، فنظموا تمرينات لو اطلعت عليها لوجدتها قريبة من الصلاة ، تمارين تؤدى كل يوم خمس مرات ، لا ترهق الجسم ، ولا تتعبه ، وتلين العضلات .
 من الطب الوقائي أن يكون الإنسان نظيفاً ، ومن الطب الوقائي أن يقوم ويتوضأ ويصلي .
 من الطب الوقائي الوضوء والصلاة
هناك أمراض كثيرة مثلاً تصيب النساء ، من هذه الأمراض انقلاب الرحم ، هذا المرض قلما يوجد في العالم الإسلامي ، لأن علاج هذا المرض حركات تشبه الصلاة تماماً ، أمراض القذارة ، ثلاثمئة مليون إنسان في الأرض مصاب بأمراض القذارة ، هذه الأمراض معظمها ليست موجودة في العالم الإسلامي بسبب الوضوء ، والمبالغة في التطهير ، وهناك أمراض كأمراض الغرغرين الموات تصيب أناساً كثيرين ، لكن لأن المسلم مكلف أن يتوضأ كل يوم خمس مرات ، وأن يخلل بين أصابعه ، هذا من أجل تنشيط الدورة الدموية ، فالدم حينما لا يصل إلى أطراف الأصابع ، هذه الأطراف تسود ، وتتماوت ، ثم تقطع ، الحقيقة أن هناك أمراضًا كثيرة جداً بسبب مخالفة منهج الله عز وجل .
 مثلاً : أنت حينما تسجد ما الذي يحصل ؟ ينطلق الدم على الرأس بالسجود ، فتحتقن الأوعية ، فحينما ترفع ينخفض ضغط الدم حينما تسجد يرتفع ضغط الدم ، ومن هذا الارتفاع والانخفاض المتتالي ينشأ ما يسمى مرونة الأوعية في الدماغ ، هذه المرونة تحتمل ضغطاً مرتفعاً ، لو فرضاً إنسان يصلي ، وارتفع ضغطه إلى رقم كبير جداً الأوعية الدموية في الدماغ المصلي تتحمل ضغطاً مرتفعاً ، بينما الأوعية الدموية في دماغ من لا يصلي لا تحتمل الضغط المرتفع ، الحقيقة أن أداء الصلوات الخمس وتطبيق تعليمات النبي عليه الصلاة والسلام هو في حد ذاته طب وقائي .
المذيع :
 أتينا هنا لتعاطي الدواء ، وهو الطب العلاجي ، هل ورد شيء من ذلك حثنا النبي عليه الصلاة والسلام ، أو الله عز وجل في كتابه الكريم ؟
الطب العلاجي :
الأستاذ :
 إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، إذا قال :
(( تداووا ))
  وهذا أمر وكل أمر في القرآن والسنة يقتضي الوجوب .
 عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))
[ أحمد ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ]
 أستاذ عبد الحليم ، هذا الحديث يمكن أن تُكتَب عنه كتب ، لو سمع مريض هذا الحديث بماذا يشعر ؟ أنه ما من داء إلا له دواء ، ترتفع معنوياته ، وإذا ارتفعت معنويات المريض استطاع أن يقوى على عوامل المرض .
 النبي أمرنا  بالتداوي وأخبرنا بأن لكل داء دواء
حدثني صديق ذهب إلى بريطانيا ليجري عملية في قلبه ، قبل العملية بيوم دخلت ممرضة على مستوى رفيع جداً ، تنسق أزهار الغرفة ، ولم تلتفت إليه ، قالت له : من طبيبك ؟ قال : فلان ، قال : لا غير معقول ، كيف أخذت موعداً منه ؟ قال : أنا أخذت موعدًا قبل أن آتي إلى بريطانيا ، حدثته عن هذا الطبيب ، وعن عملياته الناجحة ، وعن أنه أجرى عشرة آلاف عملية ، كلها كانت ناجحة ، فلما انتهت العملية ، ودفع ما عليه ، وجد مبلغاً ضخماً لرفع معنوياته ، هو ما فعلته هذه الممرضة ، فهناك حقيقة في الطب أن الإنسان إذا ارتفعت معنوياته يقوى على عوامل المرض ، فالنبي الكريم قال :
(( ... فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))
 هذا الحديث يرفع معنويات المريض إلا مرض الموت ، هو بوابة الخروج ، لابد من مرض لا يشفى ، هو بوابة الخروج ، وإذا سمع الحديث طبيباً بماذا يشعر ؟ إنه مقصر ، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو مبعوث العناية الإلهية يؤكد أن كل مرض له دواء ، فهذا يدعوه إلى المسارعة ، فإن التداوي ، وأخذ الدواء من الدين .
 عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
(( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ مسلم ، أحمد ]
 هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة في هذا الحديث ، أن الله جعل لكل داء دواء ، لكن مهمة الطبيب أن يحسن تشخيص الداء ، ووصف الدواء ، لكن لو أن الطبيب نجح في تشخيص الداء ، ووصف الدواء ، الدواء لا يكون فاعلاً إلا إذا سمح الله له ، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ، إذاً نحتاج نحن إلى أخذ بالأسباب ، ثم التوكل على رب الأرباب .
المذيع :
 إذاً فضيلة الدكتور ، نشكرك لهذا الإيضاح عن الطب في الإسلام بشتى أنواعه ، إن كان طبيعياً ، أو وقائياً ، أو نفسياً ، فقد كلمنا الله سبحانه وتعالى ، وكلمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، وحثنا على التداوي ، وليس التواكل في هذا الأمر ، يتوكل الإنسان على الله ، ولكن يسعى للحصول على الدواء .
الأستاذ :
 أحب أن أضيف أن هناك حديثًا شريفًا دقيقًا جداً ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))
[النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه]
 كيف أن الدول الراقية جداً يحاسب الطبيب عن كل أخطائه ، وقد يدفع كل ثروته ، لأنه أعطب عضواً في مريض عنده ، كذلك يقول عليه الصلاة والسلام :
(( مَنْ تَطَبَّبَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ ))
 أي يدفع تعويضاً لهذا المريض الذي أتلف بعض أعضائه .
خاتمة و توديع :
المذيع :
 إذاً أيها الإخوة والأخوات ، نقتدي بسنة النبي عليه الصلاة والسلام :
(( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً ))
 صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .

(  الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي  )

6‏/10‏/2015

العرب و العربيه من حيث الأفضليه بأدله شرعيه...!!!



أصل العرب
1- العرب البائدة: وهم اثنتا عشرة قبيلة على الأقل: عاد وثمود وطسم وجديس وعملاق واميم وحضورا و وبار و عبيل (التي كانت لها حضارة هائلة في بلاد الشام وقد اكتشفت هذه الحضارة حديثا من قبل علماء آثار غربيين وسموها إيبلا لأنه ليس لديهم حرف العين. و أطلال عاصمة عبيلا موجودة جنوب مدينة حلب). وجرهم الذين صاهرهم إسماعيل عليه السلام ومنهم تعلم اللغة العربية وأتقنها. والعرب البائدة لم يبق لهم ذكر. بعضهم قد اندمج مع قبائل عربية أخرى، وبعضهم الآخر تفرق في البلاد. وقد أبيد كثير منهم مثل عاد وثمود (إلا القلة المؤمنة منهم).
2- العرب العاربة: وهم العرب المنحدرة من صلب يعرب بن قحطان.
3- العرب المستعربة: من صلب إسماعيل عليه السلام.

فضل اللغة العربية

إعلم وفقك الله بأن الله عز وجل قد أنزل كتابه بالعربية {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف:2) والله أعلم بأي لسان يختاره لكتابه، وهو العليم الحكيم. ولو جعله الله بغير لغة لما فهمه الناس على الوجه الذي أراده ولا عقلوه كما قال عز وجل {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت:44).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية الدمشقي في كتابه القيم "اقتضاء الصراط المستقيم" (2|207): «وإنما الطريق الحسن: اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف. بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب عليه. واعلم أن اعتياد اللغة، يؤثّر في العقل والخُلُق والدّين تأثيراً قوياً بيناَ. ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين. ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب. فإن فهم الكتاب والسنة فرض. ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية. وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية. وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري (ر): "أما بعد، فتفقهوا في السُّنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي". وفي حديث آخر عن عمر (ر) أنه قال: "تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم". وهذا الذي أمر به عمر (ر) من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يُحتاج إليه. لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال. ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله».

ويقول: «وما ذكرنا من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب، يثبت لمن كان كذلك وإن كان أصله فارسياً، وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشمياً». وهذه قاعدة مهمة جداً، فالعبرة هي في تكلم اللغة العربية فقط، لا بمجرد النسب. وقد ذكر الحديث: «إنَّ الرب واحد، والأبُ واحد، والدَين واحد، وإنَّ العربيةَ ليست لأحدكم بأبٍ ولا أمّ، إنما هي لسانَّ، فمنْ تكلَّمَ بالعربيةِ فهو عربي»، ثم قال ابن تيمية: وهذا الحديث ضعيف، لكنَّ معناه ليس ببعيد. بل هوَ صحيح من بعض الوجوه. ولهذا كان المسلمون المتقدموَن لما سكنوَا أرض الشام ومصر ولغة أهلها رومية وقبطيةْ وَأرض العِرَاق وخُرُاسان ولغَة أهلها فارسية. وأرض المغرب ولغة أهلها بربرية، عَودوا أهلَ هذه البلاد العربيةَ حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم. وهكذا كانت خراسان قديماً ثم إنّهم تَساهلوَا في أمر اللُغةِ العربية، واعتادوا الخطابَ بالفارسيةِ حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم. وَلا ريب أنَّ هذا مكروه.

أقول: وإن تأملت حال العرب اليوم، لعرفت أن أكثرهم لا ينتسبون إلى القبائل التي كانت تسكن الجزيرة العربية عند مجيء الإسلام. فمثلاً لم يدخل مصر إلا بضعة آلاف عربي عند الفتح أيام عمر، وكان عدد الأقباط سبعة ملايين. فهل البضعة آلاف تكاثروا حتى أصبحوا خمسين مليون مقابل السبعة ملايين الذين تناقصوا إلى مليونين؟ كلا، بل أهل مصر الأقباط دخلوا الإسلام وتكلموا العربية فصاروا عرباً. وكذلك حال سكان شمال إفريقيا البربر، وسكان السودان الأفارقة، وسكان الأندلس اللاتين. ولذلك فإن العلماء يقولون أنه على قدر المعرفة بلغة العرب، تكون المعرفة بفضل القرآن. فهذا ابن القيم يقول: «إنما يعرف فضل القرآن من عرف كلام العرب». وهذا ابن يتيمية يقول: «معلوم أن تعلم العربية وتعليمها فرض كفاية لأن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون». وفضل اللغة العربية هو من أهم أسباب فضل العرب، لأن العربي هو الذي يتكلم العربية. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (15|431): «فغلب على العرب القوة العقلية النطقية، واشتق اسمُها من وصفها فقيل: عرب من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خصوصاً القوة النطقية.. ولهذا كانت العرب أفضل الأمم».

ومما يراه علماء الفرس (أيام كانوا على الإسلام قبل الغزو الصفوي) من أن اللغة العربية أفضل اللغات وأكملها بالحياة والانتشار:

1 - أبو حاتم الرازي (أحمد بن حمدان) (ت322هـ) صاحب كتاب "الزينة في الكلمات الإسلامية" عقد (1|60 - 66) فصلاً بعنوان: "فضل لغة العرب" ذكر فيه أن لغات البشر كثيرة لا يمكن حصرها، وأن أفضلها أربع: العربية، والعبرانية، والسريانية، والفارسية، وأن أفضل هذه الأربع لغة العرب، فهي أفصح اللغات وأكملها وأتمها وأعذبها وأبينها».

2 - أبو الحسين أحمد بن فارس (ت395 هـ) قال في "الصاحبي" (ص16): "باب لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها"، مشيراً إلى قوله تعالى: {لتكونَ من المنذرينَ بلسان عربيٍّ مبين} (الشعراء: 195) وقال: «فلما خَصّ - جل ثناؤه - اللسانَ العربيّ بالبيانِ عُلِمَ أن سائر اللغات قاصرةٌ عنه، وواقعة دونه. فإن قال قائل: فقد يقع البيانُ بغير اللسان العربي، لأن كلَّ مَنْ أفْهَمَ بكلامه على شرط لغته فقد بَيَّنَ. قيل له: إن كنتَ تريد أن المتكلّم بغير اللغة العربية قد يُعْرِبُ عن نفسه حتى يُفْهِمَ السامعَ مرادَه فهذا أخس مراتب البيان، لأن الأبكم قد يدلُّ بإشارات وحركات له على أكثر مراده ثم لا يسمّى متكلماً، فضلاً عن أن يُسمّى بَيِّناً أو بليغاً. وإن أردت أنَّ سائر اللغات تُبَيّنُ إبانةَ اللغة العربية فهذا غَلط».

3 - أبو منصور الثعالبي (ت430هـ) قال في كتابه "فقه اللغة وسر العربية" (ص21): «ومَنْ هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وأتاه حسن سريرة فيه اعتقد أنّ محمداً خيرُ الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال عليها وعلى تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم».

4 - أبو القاسم محمود الزمخشري (ت538 هـ) قال في مقدمة كتابه "المفصل في علم العربية": «اللهَ أحمدُ على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز، وعصمني من مذهبهم الذي لم يُجْدِ عليهم إلا الرشقَ بألسنةِ اللاعنينَ، والمَشْقَ بأسِنَّة الطاعنين».

ومما يراه كُتّاب الغرب عن اللغة العربية الفصحى:

1 - قال كارلونلينو: «اللغة العربية تفوق سائر اللغات رونقاً وغنى، ويعجز اللسان عن وصف محاسنها».

2 - قال فان ديك (الأمريكي): «العربية أكثر لغات الأرض امتيازاً، وهذا الامتياز من وجهين: الأول: من حيث ثروة معجمها. والثاني: من حيث استيعابها آدابها».

3 - قال د. فرنباغ (الألماني): «ليست لغة العرب أغنى لغات العلم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العدّ، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا نحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه، حجاباً لا يتبين ما وراءه إلاَّ بصعوبة».

4 - قال فيلا سبازا: «اللغة العربية من أغنى لغات العالم، بل هي أرقى من لغات أوروبا لتضمنها كلَّ أدوات التعبير في أصولها في حين أن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، ولا تزال حتى الآن تعالج رمم تلك اللغات لتأخذ من دمائها ما تحتاج إليه».

5 - قال المستشرق الفرنسي الشهير أرنست رينان في معرض حديثه عن اللغة العربية في "الموسوعة المسيحية": «فهذه اللغة المجهولة التاريخ تبدو لنا فجأة بكل كمالها ومرونتها وثروتها التي لا تنتهي، لقد كانت هذه اللغة منذ بدايتها بدرجة من الكمال تدفعنا للقول بإيجاز: إنها منذ ذلك الوقت حتى العصر الحاضر لم تتعرض لأي تعديل ذي بال، فاللغة العربية لا طفولة لها، وليس لها شيخوخة أيضا، منذ ظهرت على الملأ، ومنذ انتصاراتها المعجزة، ولست أدري إذا كان يوجد مثل آخر للغة جاءت إلى الدنيا مثل هذه اللغة من غير مرحلة بدائية، ولا فترات انتقالية، ولا تجارب تتلمس فيها معالم الطريق».

6- يقول "فيشر": «إذا استثنينا الصين، لا يوجد شعب آخر يحق له الفخار بوفرة كتب علوم لغته، وبشعوره المبكر بحاجته إلى تنسيق مفرداتها حسب أصول وقواعد، غير العرب». أقول: مع قِدَم اللغة الصينية فلا يمكن أبداً مقارنتها بلغة العرب لأنها مجرد كتابة بحيث كل كلمة لها صورة معينة وليست هناك أبجدية، وكل منطقة في الصين تلفظ تلك الكلمة بشكل مختلف تماماً، مع غياب معظم التفصيلات النحوية. فسكان الصين لا يمكنهم التفاهم بين بعضهم بالنطق، ولكن في الكتابة فقط!



فضل العرب على العجم

هذه مسألة مهمة جداً، لكثرة الخلط فيها. ففضل العرب على غيرهم ثابت. وقد ثبت في «صحيح البخاري» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «بعثت من خير قرون بني آدم؛ قرناً فقرناً؛ حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه». وفي «صحيح مسلم» من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله (ص) قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».

وهذا فضل جنس لا فضل شخص. فجنس العرب أفضل بمجموعهم فقط. بمعنى عندك في المدرسة صفين، صف فيه نسبة المتفوقين أكثر، فهو أفضل بمجموعه، ومع ذلك فقد يكون في الصف الثاني شخص متفوق على طلاب الصف الأول، والمدرسة لا تميّز في المعاملة بين الطلاب. أين المشكلة؟ العرب إلى اليوم فيهم نسبة الفقهاء والعلماء والمجاهدين أكثر من غيرهم، مع اعتبار قلة عددهم بالنسبة للمسلمين. ذلك أنه لا يمكن لمسلم أن يفهم القرآن والحديث فهماً كاملاً بغير إتقان اللغة العربية. وقد قال سيدنا معاوية من قبل: «والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد (ص) لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به». فإن قصّر العرب قصّر المسلمون. ومجرد كون المرء عربياً لا يعطيه أي فضل، لأن كل شخص يتفاضل بعمله. فهل تستطيع أن تفخر بانتسابك لصف متفوق وأنت كسول؟! بل لعله يكون عاراً عليك أكثر... تعرف اللغة العربية وتفهم القرآن ثم لا تعمل به. وأرجو أن يكون في هذا توضيحاً للمسألة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": «باب تفضيل جنس العجم على العرب نفاق. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم، رومهم و فرسهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله (ص) أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفساً وأفضلهم نسباً. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم بمجرد كون النبي (ص) منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم أنفسهم أفضل. وبذلك ثبت لرسول الله (ص) أنه أفضل نفساً و نسباً، وإلا لزم الدور. ولهذا ذكر أبو محمد بن حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني صاحب الإمام أحمد في وصفه للسنة التي قال فيها: "هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم. فكان من قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونية". وساق كلاماً طويلاً إلى أن قال: "ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ونحبهم لحديث رسول الله (ص): حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق. ولا نقول بقول الشعوبية و أرذال الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضلهم، فإن قولهم بدعة و خلاف". وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم. وهؤلاء يسمون الشعوبية لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل، كما قيل: "القبائل للعرب والشعوب للعجم". ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب. والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق، إما في الاعتقاد، وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس مع شبهات اقتضت ذلك».

ومن أدلة تفضيل العرب، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: «إن الله اصطفى كِنَانَةَ من وَلَدِ إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». قال شيخ الإسلام: «هذا يقتضي أنَ إسماعيل وَذريتَهُ صَفْوَةُِ وَلَدِ إبراهيمَ، فيقتضي أنهم أفْضَلُ من وَلَدِ إسحاق. ومعلوَمً أنَّ ولد إسحاق الذين هم بنو إسرائيل أفضلُ العَجَمِ لما فيهم من النبوة والكتاب، فمتى ثبت الفضل لهؤلاء فعلى غيرهم بطريق الأولى. وتدل أيضاً أن نسبة قريش إلى العرب كنسبة العرب إلى الناس. وهكذا جاءت الشريعة كما سنومئ إلى بعضه».

قال شيخ الإسلام: «بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب لكفر (لأن منهم رسول الله (ص) وعامة أصحابه)، ومقتضاه أنهم أفضل من غيرهم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان». وقال: «وأيضاً فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وضع ديوان العطاء، كتب الناس على قدر أنسابهم. فبدأ بأقربهم نسباً إلى رسول الله (ص)، فلما انقضت العرب ذكر العجم. هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء من بني أمية وولد العباس، إلى أن تغير الأمر بعد ذلك».

قال شيخ الإسلام (19|29): «وجمهور العلماء على أن جنس العرب خير من غيرهم». لكنه استدرك فقال: «لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب». والعرب هم من يتكلمون العربية. والتاريخ يشهد عجز العجم عن حكم العرب بشكل جيد إلا في النادر. وأحسن دولة لهم كانت دولة المماليك. كان في أقوى قوتها في أول عهدها زمن بيبرس، ثم لم تلبث أن ضعفت لأن حكامها ما أرادوا الاعتماد على العرب في الجيش، وإنما استقدموا العبيد ليدربوهم على القتال، خوفاً من انقلاب العرب عليهم. وهذا دوماً كان مصدر ضعف لهم. ثم لم يعد يكفي العبيد الأتراك فجاءوا بالعبيد الشركس فانقلبوا عليهم، ثم هؤلاء بدورهم أصابهم الضعف لنفس السبب حتى انهارت الدولة. فسبب الضعف أنهم دوماً أقلية لا يريدون الاعتماد على العرب. أما العثمانيون فهم مثال على الفشل الذريع في حكم العرب. وكانت دولتهم أقوى قبل أن يحكموا بلاد العرب لأن جيشهم توزع على بلاد شاسعة، مع رفضهم في نفس الوقت الاعتماد على العرب في مناصب قيادية. قال المتنبي:

وإنّما الناس بالملوك * وما تفلح عُربٌ ملوكها عجم
لا أدبٌ عندهم ولا حسب * ولا عهودٌ لهم ولا ذمم

 وقد اخترت لكم المصنف المشهور المسمى: "مسبوك الذهب، في فضل العرب، وشرف العلم على شرف النسب" للمؤلف الإمام مرعي بن يوسف الحنبلي الكرمي (1033هـ) نسبة إلى قريته طور كرم في أرض فلسطين فك الله أسرها. وعلى صغر حجم هذا الكتاب إلا انه من أنفس ما كُتب في هذا الموضوع. وتكمن قيمته العلمية في توسطه واعتداله وموضوعيته وابتعاده عن الحمية والعصبية، بل نهج منهجا شرعياً لا يكتب إلا ما دل عليه الدليل من الكتاب والسنة.

قال المؤلف ما خلاصته: وأرض العرب هي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم (البحر الأحمر) إلى بحر البصرة (الخليج العربي). ومن حجر اليمن إلى أطراف الشام. إذا تقرر هذا، فاعلم أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، كما إن جنس الرجل أفضل من جنس المرأة من حيث الطائفة والعموم. وأما باعتبار أفراد أو أشخاص، فقد يوجد من النساء ما هو أفضل من ألوف من الرجال كمريم وفاطمة وعائشة. وقد يوجد من العجم ما هو أفضل من ألوف من العرب، كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي. ويصح أن نقول أن واحداً منهم مثل بلال، أفضل من جعفر الصادق وموسى الكاظم وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد...

و أما العَقْلُ الدَّالُ على فَضْلِ العَرَب: فقد ثبتَ بالتَوَاتُرِ المَحْسُوسِ المُشَاهَدِ أنَّ العَرَبَ أكْثَرُ النَاس لسَخَاءً، وَكَرَماً، وَشَجَاعَةً، ومروءةً، وَشَهَامةً، وبلاغةً، وفَصَاحَةً. وِلساَنُهم أَتُم الألْسِنَةِ بياناً، وَتَمْييزاً للمعاني جمعاً وفَرْقاً بجمعِ المعاني الكثيرةِِ في اللَّفْظِ القَليلِ، إذا شاء المتكلِّمُ الجَمْعِ. ويميّزُ بين كلِّ لفظين مشتبهين بلفظٍ آخر مختصرٍ، إلى غيرِ ذَلكَ من خَصَائِصِ اللَسانِ العربيِّ. ولهم مكارمُ أخْلاَقٍ مَحموَدة لا تَنْحَصِرُ. غريزةٌِ في أنفسهم، وَسَجِيَّة لهم جُبلُوا عليها. لكنْ كانوا قبلَ الإِسلامِ طَبِيعةً قَابِلَةً للخيرِ ليسَ عندَهم عِلْمٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ، وَلاَ هُمْ أيضاً مُشْتَغلُونَّ ببعضِ العُلُوَم العَقْلية المَحْضَة كَالطِّبِّ أو الحِسَاب أو المَنْطِقِ (مثل اليونان والهند). إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم. إنَما علمُهُمْ ما سَمَحَتْ بهِ قًرَائِحُهُمْ مِنَ الشِّعْرِ والخُطَبَ أو ماَ حَفِظُوه مِنْ أنْسَابهِمْ وأيَّامِهم، أو ما احْتَاجُوَا إليه في دنياهم مِنَ الأنواء والنُجوَم، أو الحُروب، فلما بعثَ الله محمداً فيهم... فَأخذوا هذا الهدي العظيم بتلكَ الفِطْرةِ الجيدةِ فاجتمِعََ لهم الكَمَال التَامُ بالقوة المَخْلُوَقَةِ فيهم، والهُدَى الذي أنزلَهُ عليهم. واعلم أنًهُ ليسَ فَضْلُ العَرَبِ ثمَّ قُرَيْشٍ ثُم بني هَاشِمٍ بمجردِ كَوَْنِ النبي (ص) مِنْهُمْ كما يُتَوهمُ وإنْ كانَ هوَ عليه السلام قد زَادَهُمْ فضلاً وشرفاً بلا ريب بل هُمْ في أنْفُسِهِمْ أفْضَلُ وَأشرفُ وأكْمَلُ. وبذلكَ ثَبَتَ لَه عليه السلام أنَّهُ أفضل نَفْساً وَنَسَباً، وإلا لَلَزمَ الدَّوْرُ وهو بَاطِلٌ.

وبالجملة فالذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله (ص) أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق أجمعين، وأشرفهم حسباً ونسباً، وعلى ذلك درج السلف والخلف. قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكَرْمَانيُّ صاحب الإمام أحمد في وصفه للسنة، التي قال فيها: "هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها. وأدركت من أدركت من أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، وأن من خالفها أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق". وساق كلاما طويلا إلى أن قال: "وَنَعْرِفُ للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ونحبهم... ولا نقول بقول الشعوبية" -وأرادَ الموالي الذين لا يُحبونَّ العرب ولا يقرُّونَّ بفضلهم-، "فإن قوَلهُمْ بِدْعَةٌ وخلاف".

إذا علمتَ هذا فاعلمْ أنَ الذي يرجعُ إليه ويعوَلُ في الفَضْلِ عليه هو الشَرفُ الكسبيُّ الذي منه العلم والتقوَى، وهو الفضل الحقيقي لا مجرد الشرف الذاتي الذي هوَ شرف النَسب بشهادةِ القران ِوشهادة النبيّ عليه السلام وشهادةِ الأذكياء مِنَ الأنام... فمنَ الغُرورِ الوََاضِحِ، والحُمْقِ الفَاضِحِ أنْ يفتخرَ أحدٌ مِنَ العَرَب على أحد مِنَ العجم بمجردِ نَسَبهِ، أو حَسَبهِ، ومن فَعَلَ ذلكَ فإنه مخطئ جَاهل مغرورٌ. فَرُبَّ حبشي أفضل عند الله تعالى منَ ألوَف مِنْ قريشٍ. قال الله تعالى في مثلِ ذلك: {يَا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ و أنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقبائلَ لتعارَفوا، إنِ أكْرَمكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ}. وقال تعالى: {وَلأمَة مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْركَةٍ وَلَوَْ أعْجَبَتْكُمْ... وَلَعَبْدٌ مُؤْمنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}...

واعلم أن لفظَ الأعراب هوَ في الأصل اسم لسكان باديةِ العَرَبِ، وإلاَّ فكلُّ أمَّةٍ لها حاضرة وبادية، فباديةُ العَرَب الأعراب، وبادية الروم الأرْمَن، وباديةُ الفُرْس الأكْرَاد، وباديةُ التُرْكِ التركُمَان، فسائر سكان البوادي لهم حكم الأعراب سوَاء دخلوا في لفظِ الأعراب أم لم يدخلوَا. فجنسُ الحاضرة أفضل من جنس البادية، وأما باعتبار الأفراد فقد يوجد من أهل الباديةِ ما هو أفضل من ألوفٍ من أهل الحاضرة.

وأما الرطانة: التي هي التَكلمُ بغير العربيةِ تشبهًا بالأعاجم، فقد قالَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ: "إيَّاكم وَرَطَانة الأعاجم. وانْ تدخلوَا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم". وفي لفظ آخر عن عمرَ: "لا تَعَلّموَا رَطَانَةَ الأعاجمِ، ولا تدخلوَا على المشركين في كنائسهم يوَم عيدهم فإن السخطة تنزلُ عليهم". وقالَ الإِمامُ مالك فيما رواه ابنُ القاسم في "المُدونة": "لا يُحرِمُ بالأعِجمية، ولا يدعو بها، وَلا يحلف". وقال: "نهى عمر عن رطانةِ الأعاجم". وسئلَ الإِمام أحمد عن الدعاءِ في الصلاة بالفارسية فكرهه، وقال: "لِسَانُ سوء". ومذهبهُ أنَ ذلكَ يُبْطِلُ الصلاة. وَكَرِهَ الإِمامُ الشافعي لمن يعرف العربيةَ أن يسمي بغيرها، أو أن يتكلم بها خالطاً بالعجمية، وهو ظاهرُ كلامِهِ فيما حكاه عنه ابن عبدِ الحكم. انتهى.



23‏/4‏/2015

ما هي الهيئه التي يخرج فيها من كان بقلبه مثقال حبة خردل من الإيمان..؟



 22- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ

[تعليق مصطفى البغا2 (1/16) -[ ش أخرجه مسلم في الإيمان باب إثيات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار رقم 184(مثقال) وزن. (خردل) نبات صغير الحب يشبه به الشيء البالغ القلة. (نهر الحيا) المطر لأنه تحصل به الحياة ونهر الحياة هو الذي يحيي من انغمس فيه. (فينبتون) يخرجون. (الحبة) بذرة النبات من البقول والرياحين. (صفراء ملتوية) منثنية تسر الناظرين والمعنى أنهم يخرجون بوجوه نضرة مسروين متبخترين]

14‏/4‏/2015

هل معاويه هو المقصود بالفئه الباغيه...؟

هل معاوية هو المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم في قتل عمار " تقتله الفئة الباغية"؟


السؤال: هل صحيح بأن صحابة كراما كالزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم تركوا جيش معاوية بعد أن رأوا عمار بن ياسر عليه السلام يحارب ويقتل مع جيش علي؟ وآمنوا هم عندئذ بأن جيش معاوية هو الفئة الباغية أيضا؟ وبالنسبة الى سؤالكم رقم 201963، كيف يكون معاوية "مجتهدا" في سبيل الله وله أجر أو أجران أيضا كما أجبتم ، وقد وصف رسول الله نفسه جيشه بالبغي؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
قولك " هل صحيح بأن صحابة كرام كالزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم تركوا جيش معاوية بعد أن رأوا عمار بن ياسر عليه السلام يحارب ويقتل مع جيش علي؟ وآمنوا هم عندئذ بأن جيش معاوية هو الفئة الباغية أيضا؟ " .

أما الزبير بن العوام رضي الله عنه  ، فقد قتل أثناء انصرافه من معركة الجمل سنة ست وثلاثين هجرية ،  ومعاوية رضي الله عنه كانت معركته مع علي رضي الله عنه بعد ذلك في موقعة صفين  سنة سبع وثلاثين هجرية ، فعلى هذا الزبير رضي الله عنه لم يدرك جيش معاوية حتى يتركه .

وأما عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : فقد شهد صفين في جيش معاوية ، إلا أنه لم يقاتل روى ابن سعد في الطبقات الكبرى 5/87-88 بسنده عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال : قال عبد الله بن عمرو : ( مالي ولصفِّين ، مالي ولقتال المسلمين  ، لوددت أني مت قبله بعشر سنين ، أما والله ـ على ذلك ـ ما ضربت بسيف ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم .)
وعن حنظلة بن خُوَيْلد العنزي قال : ( بينما أنا عند معاوية ، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ، يقول كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال عبد الله بن عمرو : لِيَطب به أحدكما نفسا لصاحبه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتله الفئة الباغية  ، قال معاوية : فما بالك معنا ؟! قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أطع أباك مادام حيا ولا تعصه ، فأنا معكم ، ولست أقاتل !! ) .
رواه الإمام أحمد في مسنده ( 6538 ) ( 10 / 37- 38 – 39 ) وصححه أحمد شاكر رحمه الله تعالى .

هذا ما يتعلق بهذين الصحابيين ، لكن هناك من الصحابة من التحق بجيش علي رضي الله عنه ورأى أن الحق معه  كعمار بن ياسر نفسه ، وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهما وغيرهما.

ثانيا :
قولك (وبالنسبة إلى سؤالكم رقم 201963، كيف يكون معاوية "مجتهدا" في سبيل الله و له أجر أو أجران أيضا كما أجبتم ، وقد وصف رسول الله نفسه جيشه بالبغي؟ )
فيقال في جوابه : هنا عدة نقاط :
أ- لم يرد في الحديث نصا أن جيش معاوية باغ ، لكن لفظ الحديث هكذا روى البخاري ( 447 ) بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ : انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ . فَانْطَلَقْنَا ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا ، حَتَّى أَتَى على  ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : : ( كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً ، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ : وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ،  يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ . قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " ثم ( إن عمارا تقتله الفئة الباغية ) ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه ؛ بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته ، وهي طائفة من العسكر ، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها . ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ؛ بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار ، حتى معاوية ، وعمرو " انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 35 / 77 ) .
ب- البغي لا يخرج صاحبه عن دائرة الإيمان بنص القرآن الكريم قال الله تعالى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الحجرات ( 9-10 ) فسمّاهم مؤمنين وجعلهم إخوة ، مع  وجود الاقتتال والبغي .
قال زياد بن الحارث : " كنت الى جانب عمار بن ياسر بصفِّينَ ، وركبتي تمس ركبته . فقال رجل : كفر أهل الشام . فقال عمار: لا تقولوا ذلك ؛ نبينا ونبيهم واحد ، وقبلتنا وقبلتهم واحدة ؛ ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق ، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا اليه "  رواه ابن أبي شيبة   (37841 ).
وعند محمد بن نصر بسنده عن مكحول : " أن أصحاب علي سألوه عمن قتل من أصحاب معاوية ماهم ؟ قال : هم مؤمنون ". " منهاج السنة " ( 5/245 ).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ، يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً وَيَقُولُ:  ( ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) رواه البخاري (3746) . والصلح الذي قام به الحسن رضي الله عنه كان بين أصحابه وأصحاب أبيه علي رضي الله عنه ، وأصحاب معاوية ، فيكون هذا الحديث نصا في إثبات الإسلام للطائفتين .

والحاصل : أن البغي المذكور هنا : ذنب كباقي الذنوب ؛ قد يصدر من المسلم من غير تأوّل ؛ فيكون إثما ، وقد يصدر منه على سبيل التأوّل والاجتهاد ، غير قاصد للبغي ، إذا كان من أهل الاجتهاد ، كالصحابة رضوان الله عليهم ؛ فيكون معذورا إن شاء الله تعالى ، ومعاوية رضي الله عنه ومن معه كانوا مجتهدين في قتالهم لعلي رضي الله عنه .
فمعاوية كان ولي دم عثمان ، فكان يطالب بالقصاص من قتلته الذين التحقوا بجيش علي رضي الله عنه ،
وقد جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية ، وقالوا : " أنت تنازع عليا ، أم أنت مثلُه ؟ فقال: لا والله ، إني لأعلم أنه أفضل مني ، وأحق بالأمر مني ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ، وأنا ابن عمه ،  والطالب بدمه ؟ فائتوه ، فقولوا له ، فليدفع إلي قتلة عثمان ، وأسلم له . فأتوا عليا ، فكلموه ، فلم يدفعهم إليه" " سير أعلام النبلاء " ( 3/ 140 ).
ودخل أبو الدرداء وأبو أمامة رضي الله عنهما على معاوية : فقالا له: " يا معاوية ، علام تقاتل هذا الرجل ؟ فو الله إنه لأقدم منك ومن أبيك سِلْماً ، وأقرب منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحق بهذا الأمر منك ؟ فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه أوى قتلته ، فاذهبا إليه فقولا له فليُقِدنا من قتلة عثمان ، ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام " انتهى . " البداية والنهاية" ( 10/508 ) .
فمعاوية رضي الله عنه ومن معه كانوا يعتقدون أن جيش علي رضي الله عنه فيه قتلة ، فهم يقاتلونهم دفعا لصيالهم عليهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية  : " لما رأى علي رضي الله عنه وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته ، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد ، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب ، وهم أهل شوكة ، رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب ، فتحصل الطاعة والجماعة .
وهم –أي معاوية وأصحابه - قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم ، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين ، قالوا: لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين ، وقتلته في عسكر علي ، وهم غالبون لهم شوكة ، فإذا امتنعنا ، ظلمونا واعتدوا علينا . وعلي لا يمكنه دفعهم ، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ؛ وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ، ويبذل لنا الإنصاف " انتهى من "مجموع الفتاوى " ( 35 / 72-73 ) .
وقال أيضا "... لكن قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر علي فيه ظلمة – يعني قتلة عثمان -  يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان ، وأنهم يقاتلونهم دفعا لصيالهم عليهم  .... " انتهى من " منهاج السنة " ( 4/ 383).

وبسبب هذا الالتباس الحاصل : اعتزل عدد كبير من الصحابة القتال ، ولم يقاتلوا لا مع علي رضي الله عنه ولا مع معاوية رضي الله عنه ، منهم كبار الصحابة كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم .
قال محمد بن سيرين، قال:" هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضر فيها مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين " . " السنة لأبي بكر الخلال " ( 2/466 ) رقم الأثر ( 728 ) .
وهذا  كله يوضح أن الأمر كان اجتهادا .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى : " واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد – يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار - ، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم ، والإمساك عما شجر بينهم ، وتأويل قتالهم ، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ، ولا محض الدنيا ، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ، ومخالفه باغ ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله ، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ ، لأنه لاجتهادٍ ، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه " انتهى من " المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " ( 18/11).

الشيخ المنجد