‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات من المواعظ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وقفات من المواعظ. إظهار كافة الرسائل

2‏/4‏/2016

صنعُ منْ...عملُ منُ..؟؟؟

هذا البحث ليس لمجرد الاطلاع أو المعرفة، بل هو عبادة لله تعالى، واستجابة للأمر الإلهي لنا..

                      ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ )

 فالتفكر في خلق الله هو عبادة عظمى لا تقل أهمية عن الصلاة والصوم والزكاة، لأن هذا التفكر يهذِّب النفس ويجعل الإنسان أكثر تواضعاً أمام عظمة الخلق، بل ويزيد المؤمن إيماناً وتسليماً لله عز وجل ..

منذالأربعينات من القرن المنصرم حتى  يومنا هذا تأثرت هذه المرحلة تأثرًا كبيرًا بتطور الأجهزة مما أثر بقوة على مجرى البحوث
إن المجهر الإلكتروني وآلات التصوير المتطورة الأخرى، وقياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف والحاسوب، ومجموعة وسائل الكشف عن البروتينات، والأحماض النووية، والكربوهيدرات المعقدة، وعزلها وتحليلها.

 يمكن أن تعتبر كلها عوامل تجعل علماء الأحياء البيولوجي اليوم في وضع يسمح لهم بإجراء تجارب كانت تبدو قبل عقد من الزمن مجرد حلم خيالي  فيمكننا اليوم أن نجري تحليلاً دقيقًا مفصلاً لسطح الخلايا خلال تمايزها

وهكذا يتجلى لنا أن الإنسانية لم تعرف أن الجنين يتكون من اختلاط نطفة الذكر وبويضة الأنثى إلا في القرن الثامن عشر، ولم يتأكد لها ذلك إلا في بداية القرن العشرين.



بينما نجد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد أكدا بصورة علمية دقيقة أن الإنسان إنما خُلق من نطفة مختلطة سماها "نطفة الأمشاج"

 فقال تعالى في سورة الإنسان..

 ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (الإنسان:2). و معنى نطفه اي قطره



فالقرآن الكريم يقرر أن خلق الإنسان ينتقل طورًا بعد طور في بطن أمه في مثل قوله تعالى..

? يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ?       [الزمر 6 ]


تتكاثر الخلية الواحدة (النطفة الأمشاج) بالانقسام الذاتي إلى خليتين، ثم إلى أربع، ثم إلى ثمان، ثم إلى 16 ثم إلى 32 وهكذا.

إذن بداية هذا الطور مكونة من نطفة مختلطة من سائلين وتتحرك في وسط سائل، وبعد حوالي 5 ساعات على تكون البويضة الملقحة وهي الخلية الإنسانية الأولية الحاوية على 46 كروموسوم تحوي المعلومات الوراثيه

 تقدر الصفات الوراثية التي ستسود في المخلوق الجديد والصفات التي ستتنحى فلا تظهر عليه بل يمكنها أن تظهر في بعض أولاده أو أحفاده (مرحلة البرمجة الجنينية) .

وخلال الشهر الأول تتمايز الخلايا ويصبح بعضها خلايا عصبية وبعضها خلايا عظمية وبعضها خلايا عضلية.

 صنع مَن...عمل من..؟
مَن الذي يخبر هذه الخليه بوظيفتها و اختلافها عن غيرها..؟ أليس خالقها...أليس الله عزّ و جل

سبحانك الله ما عبدناك حق عبادتك...!






15‏/11‏/2015

عشرون من وصايا النبي محمد عليه الصلاة و السلام~

من وصايا النبي صلوات الله عليه و سلم
عشرون من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد خصه الله بخصائص عظيمة من أهمها أن أعطاه جوامع الكلم، فكان يعبر عن الشيء العظيم بأوجز عبارة، وأخصر لفظ، وصاياه تكتب بماء الذهب، وألفاظه تنسج من نسج الحرير، فما أعظم لفظه ومعناه.
ولعل من أهم وصاياه - صلى الله عليه وسلم - ما سنذكره تالياً:
الوصية الأولى: السمع والطاعة وحق الجار والصلاة:
فعن أبي ذر - رضي الله عنه -  قال: أوصاني خليلي - عليه الصلاة والسلام - بثلاثة:
"اسمع وأطع ولو لعبدٍ مجدّع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف، وصلَّ الصلاة لوقتها وإذا وجدت الإمام قد صلّى فقد أحرزت صلاتك وإلا فهي نافلة"1.
الوصية الثانية: وصايا سبع جامعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر:
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: أمرني خليلي - صلى الله عليه وسلم-  بسبع:
"أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرّاً، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أُكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش"2 .
الوصية الثالثة: الأمر بالاتّباع والنهي عن الابتداع:
عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة؛ ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ"3.
الوصية الرابعة:وصايا سبع بليغة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((أوصاني ربي بسبع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وإن أعفو عمّن ظلمني، وأُعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون: صمتي فكراً، ونُطقي ذكراً، ونظري عِبَراً))4 .
الوصية الخامسة: خمس وصايا نافعات:
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يُعلِّم من يعمل بهن؟)) فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمساً فقال: ((اتّق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحبَّ للناس ما تُحبّ لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب))5.
الوصية السادسة:الوصية بذكر الله بعد الصلاة:
عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: ((يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))6.
الوصية السابعة: من حقوق المسلم على المسلم:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ مسلم من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))7 .
الوصية الثامنة: وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس:
فعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال: ((يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف))8.
الوصية التاسعة: مقدمات دخول الجنة:
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي، وقرّت عيني، فأنبئني عن كل شيء؟ فقال: ((كل شيء خُلق من ماء)) قال: قلت يا رسول الله أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنّة؟ قال: ((أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقُم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام))9.
الوصية العاشرة: الوصية بالإحسان في ذبح الحيوان:
عن شدّاد بن أوس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدّ أحدكم شفرته، وليُرِح ذبيحته))10.
الوصية الحادية عشره: اغتنم خمساً قبل خمس:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))11.
الوصية الثانية عشره: كن في الدنيا كأنك غريب:
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"12.
الوصية الثالثة عشره: من وصاياه - صلى الله عليه وسلم - في السفر:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((السّفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه، وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجّل إلى أهله))13.
الوصية الرابعة عشره: من أذكار الصباح والمساء:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة - رضي الله عنها -: ((ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيّوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين))14.
الوصية الخامسة عشره: من صفات المؤمن:
عن أبي هريرة  - رضي الله عنه - قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء قلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان))15 .
الوصية السادسة عشره: في ذم الظلم والشُّح:
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اتّقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ فإنّ الشُّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم))16.
الوصية السابعة عشره: النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والمال:
عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم))17.
الوصية الثامنة عشره: اجتنبوا السبع الموبقات:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله وما هُنّ؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات))18.
الوصية التاسعة عشره: من الأدعية المأثورة قبل النوم:
عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قُل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيّك الذي أرسلت، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهنّ آخر ما تتكلم به، قال: فرددتها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغتُ: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك؟ قال: لا ونبيّك الذي أرسلت))19.
الوصية العشرون: بادروا بالأعمال سبعاً:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بادروا بالأعمال سبعاً: ما تنتظرون إلا: فُقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مرضاً مُفسداً، أو هرماً مُفَنداً، أو موتاً مُجهزاً، أو الدجّال فإنه شرٌ غائب منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمرُّ))20.
والحمد لله رب العالمين.



1 رواه ابن ماجة برقم (2853)، وقال الألباني: صحيح برقم (99) في بحث تخريج مشكلة الفقر.
2 رواه أحمد برقم (20447)، وقال الألباني في المشكاة: لم تتم دراسته برقم (5259).
3 رواه الترمذي برقم (2600) وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (2549) في صحيح الجامع.
4 رواه رزين وقد ذكره الألباني في مشكاة المصابيح برقم (5358) وقال: لم تتم دراسته.
5 رواه أحمد والترمذي، وقال الشيخ الألباني: حسن انظر حديث رقم (100) في صحيح الجامع.
6 رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1347).
7 رواه مسلم برقم (4650).
8 رواه الترمذي برقم (2440) وصححه الألباني برقم في المشكاة (5302).
9 رواه أحمد والحاكم وقال الألباني: وإسناده صحيح، ورجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة وهو ثقة كما في "التقريب"، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي  الإرواء (ج3 ص237).
10 رواه مسلم برقم (3615).
11رواه أحمد وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (1077) في صحيح الجامع.
12 رواه البخاري برقم (5937).
13 رواه البخاري برقم (1677).
14 رواه النسائي وقال الشيخ الألباني: حسن انظر حديث رقم (5820) في صحيح الجامع.
15 رواه مسلم برقم (4816).
16 رواه مسلم برقم (4675).
17 رواه أبو داود، وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (1500) في صحيح الجامع.
18 رواه البخاري برقم (2560).
19 رواه البخاري برقم (239).
20 قال الشيخ الألباني: ضعيف انظر حديث رقم (2315) في ضعيف الجامع.

13‏/10‏/2015

دروس مستقاة من الهجره النبويه الشريفه


دروس من الهجرة

لا شك أن للهجرة دروس لا تُحصى ولا تُعَدُّ، ومن المستحيل أن نحيط بها كلها، ولكننا نشير هنا إلى بعض تلك الدروس، عسى الله  أن ينفعنا بها، وأن يكتب لنا بها الأجر:

أولاً: الأخذ بالأسباب

لقد بذل رسول الله  وصاحبه أبو بكر الصّدّيق  كل ما في طاقتهما لإنجاح عملية الهجرة، وهذا هو الإعداد المطلوب من المؤمنين، أن يُعِدُّوا ما يستطيعون، وما فوق الاستطاعة ليس مطلوبًا منهم {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}[الأنفال:60]. لكننا نلاحظ أن الخطة قد حدث فيها بعض الثغرات الخارجة عن حدود التخطيط البشري، فالمشركون قد وصلوا إلى بيت الرسول قبل الموعد الذي كان يظنه، ويرتب خطته على أساسه، والمطاردون وصلوا إلى باب غار ثور، وسراقة بن مالك استطاع أن يصل إلى النبي وصحبه، وبريدة الأسلمي وقومه وصلوا للرسول .

ولكن الدرس هنا أنك إذا قمت بما عليك وأخذت بما تستطيع من أسباب، فإن الله  سيكمل لك ما يحدث من نقص خارج عن إرادتك؛ لذا أغشى الله  عيون المشركين أمام بيت الرسول فلم يروه وهو خارج، ولم يجعلهم يلقون نظرة واحدة داخل الغار حتى لا يروا حبيبه  وصاحبه، وأساخ أقدام فرس سراقة في الرمال وألقى الرعب في قلبه، وشرح صدور بريدة وقومه للإسلام فآمنوا وقد خرجوا مشركين فعادوا مسلمين.

ثانيًا: الاعتماد على الله

لم يعتمد الرسول  على الأسباب وترك رب الأسباب، حاشا لله، إنما كان يعلم أن الأسباب لا تأتي بنتائجها إلا إذا أراد الله ، ولذلك فبعد أن بذل أسبابه كاملة تحلَّى بيقين عظيم في أنَّ ما أراده الله  سيكون، ظهر ذلك في كلمته الرائعة: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا".

وظهر ذلك أيضًا في أنه لم يكن يكثر الالتفات في الطريق، فقد أدَّى ما عليه، وما أراد اللهُ  واقع لا محالة. وبدون هذا اليقين لا يمكن للدولة المسلمة أن تقوم.

ثالثًا: الأمل والثقة في النصر

لم يفقد رسول الله  روح الأمل في أي لحظة من لحظات حياته، حتى في هذه الرحلة الخطرة، وهو يخرج من مكّة بهذه الطريقة، وهو مطلوب الرأس، لا يأمن على حياته ولا على حياة أصحابه، إذا به يبشر سراقة ليس فقط بظهور الإسلام على قريش أو على العرب، بل وبسقوط عرش كسرى تحت أقدام المسلمين، وأَخْذ كنوز كسرى غنيمة، "كَأَنِّي بِكَ يَا سُرَاقَةُ تَلْبَسُ سِوارَيْ كِسْرَى".

رابعًا: حرص رسول الله على الصحبة

رأينا حرص رسول الله  في كل مراحل حياته، وفي كل خطوات دعوته على مسألة الصحبة، عاش حياته في مكّة بصحبة، وخرج إلى الطائف بصحبة، وقابل الوفود بصحبة، وعقد البيعة التي بنيت عليها دولة الإسلام بصحبة، وها هو يسأل جبريل  عن صاحبه في الهجرة، كل هذا، وهو من هو، هو رسول الله ، ولكن كل الناس يحتاج إلى صحبة، وهو يعلمنا أن نبحث دائمًا عن الصحبة الصالحة، لقد سطَّر رسول الله  قاعدة إسلاميّة أصيلة: "الشَّيْطَانُ مِعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ".

وقد طبَّق رسول الله  هذه القاعدة في حياته هو شخصيًّا، مع أن الشيطان ليس له سبيل مع رسول الله ، ومنذ أن شقّ صدره وقد أخرج من قلبه حظ الشيطان، وأعانه الله  على الشيطان فأسلم فلا يأمره إلا بخير، ومع ذلك يحافظ على الصحبة، يعلمنا ويهدينا ويرشدنا .

خامسًا: رسول الله.. القائد القدوة

وضح لنا في هذه الرحلة كيف أن القائد العظيم  كان يعيش معاناة شعبه، يهاجر كما يهاجرون، يُطارد كما يُطَاردون، يتعب كما يتعبون، يحزن كما يحزنون، يعيش معهم حياتهم بكل ما فيها من آلام وتضحيات، كان من الممكن أن ينقل الله رسوله الكريم  من مكّة إلى المدينة بالبراق الذي نقله في لحظة من مكّة إلى بيت المقدس، ولكن أين القدوة في ذلك؟ وأين الأسوة؟ لا بد للمسلمين من طريق عملي لبناء الأمة، طريق في مقدور عموم المسلمين، ولا بد أن يسير في هذا الطريق رسول الله  رغم كل المعاناة والتعب.

سادسًا: الدعوة في مكان وزمان

رأينا كيف أن الدعوة في دمّ رسول الله ، لا يضيع فرصة، ولا يرتبط بظرف، يدعو كل من يستطيع، رأيناه كيف دعا إلى الإسلام بريدة وأصحابه من قبيلة أسلم ولم يكن همّه الرئيسي كيف يبحث عن وسيلة للهرب من بريدة، بل اعتبر أن الله  قد ساق له الرجل وقومه هدية وعطية ونعمة وأجر جزيل، وثواب لا يقدر، فكيف يضيع فرصة كهذه؟!

سابعًا: استعداد الصّدّيق للعمل لله تحت أي ظرف

رأينا في هذه الرحلة استعداد الصّدّيق  للعمل لله تحت أي ظرف، وفي كل زمان ومكان، القضية في منتهى الوضوح عند الصّدّيق، أهم شيء في حياة الصّدّيق  هو أن يرضي الله  ورسوله، ولا ينبغي أن يطلبه الله  في مكان فلا يجده، ولا ينبغي أن يريده الرسول  في عمل فلا يجده، ليس هناك في حياته مكان لكلمة (الظروف)، بل كان يعتذر لكل ظرف يطرأ على حياته بأن عنده ظرفًا أعظم، وهو العمل والبذل والتضحية والجهاد في سبيل الله .

ثامنًا: حب الصّدّيق لرسول الله

رأينا كيف يحب الصّدّيق  رسول الله ، وكيف لا ينتظر أمرًا ولا طلبًا، إنما يجتهد في إتقان حبِّه لرسول الله ، يجهز له راحلة، يبكي من الفرح لصحبته، ينظف له الغار، يسير أمامه وخلفه حماية له، وغير ذلك من المواقف التي ذكرنا بعضها ولم نذكر أكثرها.

إنه يحب الرسول  بإخلاص، وحبّ الرسول ليس من فضائل الأعمال بل هو من الواجبات، ومن قدم حبًّا على حب رسول الله  فهو على خطر عظيم، روى البخاري ومسلم عن أنسٍ  قال: قال رسول الله : "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". وفي رواية النسائي: "مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

تاسعًا: بذل وعطاء الصّدّيق للدعوة

رأينا بذل الصّدّيق وعطاء الصّدّيق وإنفاق الصّدّيق، يأخذ خمسة آلاف درهم، هي كل ما يمتلك لينفقها على دعوته، وقبلها أنفق خمسة وثلاثين ألف درهم في سبيل الله، وسيظل ينفق في المدينة، وسيظل ينفق وهو خليفة، وسيظل ينفق وهو على فراش الموت، لقد اشترى الجنة ، وحق لرجل له مثل هذه الصفة أن يرضيه الله {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرضى} [الليل: 17- 21].

عاشرًا: جهد الداعية مع أهل بيته وعشيرته

شاهدنا في قصة الهجرة أمرًا لا بد أن نقف معه وقفة، أرأيتم كيف استعمل الصّدّيق  عائلته كلها في سبيل الله؟ أرأيتم كيف استعمل عبد الله ابنه في نقل الأخبار؟ وكيف استعمل أسماء ابنته في نقل الطعام والشراب؟ وكيف استعمل عامر بن فهيرة مولاه في إخفاء آثار الأقدام؟

لقد نقل الصّدّيق  حبّه لهذه الدعوة إلى عائلته وأهله، بعض الدعاة -للأسف- يعانون من مرض العزلة عن عائلاتهم، تجد لهم نشاطًا عظيمًا في خارج بيته، ثم هم لا يُشركون أقرب الأقربين إليهم في العمل لله ، لا يحرصون على أن يذيقوهم من حلاوة الإيمان التي أحسوا بها، هذا غياب كبير للفهم، وضياع هائل للأولويات، تعلموا من الصّدّيق، وتذكروا: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

كان هذا هو الدرس العاشر من دروس الهجرة المباركة، فتلك عشرة كاملة. ولا شك أن دروس الهجرة أضعاف ذلك، ولكن لا يتسع المجال لمزيد من التفصيل.




نهاية مرحلة وبداية عهد جديد

بهذه الهجرة السعيدة الناجحة تمت مرحلة مهمة، بل مهمة جدًّا من مراحل السيرة النبويّة، تمت المرحلة المكيّة بكل أحداثها وآلامها ومشاكلها، إنها مرحلة ذات طابع خاص بل وخاصٍّ جدًّا، بدأ الإسلام فيها غريبًا، واستمر غريبًا إلى قرب نهايتها، إلى أن آمن الأنصار ، ورضي الله عن المهاجرين، وعن صحابة رسول الله  أجمعين.

كان الاهتمام الرئيسي لرسول الله  في هذه المرحلة أن يبني الجانب العقائديّ عند الصحابة، لا يؤمنون بإله غير الله، لا يتوجهون بعبادة لأحد سواه، لا يطيعون أحدًا يخالف أمره، يتوكلون عليه، ينيبون إليه، يخافون عذابه، يرجون رحمته، إيمان عميق برب العالمين، وإيمان برسوله الكريم  وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين، واعتقاد جازم بأن هناك يومًا سيبعث فيه جميع الخلائق، سيقوم فيه الناس لرب العالمين يحاسبون على ما يعملون، لن يظلم في ذلك اليوم أحد، لن تغفل الذرة والقطمير، إنها والله إما الجنة أبدًا أو النار أبدًا.

وإلى جانب العقيدة الراسخة، فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة، هُذِّبَت نفوسُهم، وسَمتْ أرواحهم، وارتفعوا عن قيم الأرض وأخلاق الأرض وطبائع الأرض، إلى قيم السماء وأخلاق السماء وطبائع السماء، لقد نزل الميزان الحق الذي يستطيع الناس به أن يقيِّموا أعمالهم بصورة صحيحة، وعرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق الطبيعيّ للجنة طريق شاقّ صعب، مليء بالابتلاءات والاختبارات، ما تنتهي من امتحان إلا وهناك امتحان آخر، تعب كلها الحياة، والله يراقب العباد في صبرهم ومصابرتهم وجهادهم، ولن يُستثنى أحد من الاختبار، ويُبتلى المرء على حسب دينه.

ومع كون المرحلة بكاملها كانت عبارة عن فقرات مختلفة من الإيذاء والتعذيب، سواء على الروح أو على الجسد، إلا أنها كانت لا تخلو من سعادة، بل كانت كل لحظاتها سعيدة، لكن ليست السعادة الماديّة الحسيّة التي يجدها الناس في طعام أو شراب أو شهوة، إنما سعادة الروح والقلب، سعادة الطاعة لله ، سعادة الأنس بالله ، سعادة الصحبة لرسول الله ، سعادة الصلاة ومناجاة الله ، سعادة الأخوة والألفة بين المؤمنين، سعادة الدعوة إلى الله ، سعادة الثبات أمام كل فتن الدنيا؛ سواء في الجسد أو في الهجرة أو في أنواع الإغراءات بالمال أو بالنساء أو بالسلطة، سعادة عظيمة، وأيّ سعادة.

لقد كانت الفترة المكية بمنزلة الأساس المتين للصرح الإسلامي الهائل.

من المستحيل أن يجتاز المسلمون خطوات كبدر والأحزاب وخيبر وتبوك، دون المرور على فترة مكّة، من المستحيل أن تُبنى أمة صالحة، أو تنشأ دولة قوية، أو تخوض جهادًا ناجحًا، أو تثبت في قتال ضارٍ، أو تقف بصلابة أمام كل فتن الدنيا إلا بعد أن تعيش في فترة مكّة بكل أبعادها.

على الدعاة المخلصين أن يدرسوا هذه المرحلة بعمق، وعليهم أن يقفوا أمام كل حدث، وإن قصر وقته أو صغر حجمه وقوفًا طويلاً.

هنا البداية التي لا بد منها، بغير مكّة لن تكون هناك المدينة، وبغير المهاجرين لن يكون هناك أنصار، وبغير الإيمان والأخلاق والصبر على البلاء لن تكون هناك أمة ودولة وسيادة وتمكين.

كانت هذه هي فترة مكّة الجميلة، نعم الجميلة؛ لأنها تحكي قصة رسول الله ، وما زالت لنا جولات مع فترة جميلة أيضًا من فترات حياة رسول الله ، تلك هي فترة المدينة المنوره.




د. راغب السرجاني

6‏/10‏/2015

بطلان دعوه الحق التاريخي لليهود في القدس...(القدس قضية كل مسلم)


لليهود والصهاينة دعاوى عريضة، يزعمون بها أن لهم حقًا في القدس أو في فلسطين كلها، وهم يتبجحون بهذه الدعاوى، التي لا سند لها من الدين ولا من التاريخ، وإن أسندوها زورًا إلى الدين وإلى التاريخ.

■ لا حق لليهود في القدس ولا في فلسطين:

ونؤكد هنا بما لا يدع مجالاً للشك : أن القدس عربية إسلامية، كما أن فلسطين كلها عربية إسلامية، وليس لليهود فيها أي حق، حتى يسلبوها من أهلها، ويحولوها إلى عاصمة لدولتهم القائمة على الاغتصاب والعدوان.

إن اليهود يزعمون أن لهم حقًا تاريخيًا، وحقًا دينيًا في فلسطين، والواقع أنهم مغتصبون لأرض غيرهم، وليس لهم أدنى حق في هذه الأرض، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية الدينية. كما سنبين ذلك فيما يلي.

■ مناقشة عامة:

وقبل أن ندخل في مناقشة الحق المزعوم لليهود في فلسطين تود أن تسألهم: لماذا لم يظهر هذا الحق طوال القرون الماضية؟ بل لماذا لم يظهر في أول الأمر عند ظهور الصهيونية السياسية المنظمة على يد (هرتزل)؟ فمن المعروف أن فلسطين لم تكن هي المرشحة لتكون الوطن القومي لليهود. بل رشحت عدة أقطار في أفريقيا وأمريكا الشمالية كذلك ولم تظهر فكرة فلسطين - باعتبارها أرض الميعاد - إلا بعد فترة من الزمن.

لقد حاول هرتزل الحصول على مكان في (موزمبيق) ثم في ( الكنغو) البلجيكي. كذلك كان زملاؤه في إنشاء الحركة الصهيونية السياسية، فقد كان " ماكس نوردو" يلقب بالإفريقي، و" حاييم وازيمان" بالأوغندي، كما رشحت ( الأرجنتين) عام 1897 و (قبرص) عام 1901، و(سيناء) في 1902 ثم(أوغندا) مرة أخرى في 1903 بناء على اقتراح الحكومة البريطانية. وأصيب هرتزل بخيبة أمل كبيرة لأن اليهود في العالم لم ترق لهم فكرة دولة يهودية سياسية، سواء لأسباب أديولوجية أو لأنهم كانوا عديمي الرغبة في النزوح عن البلاد التي استقروا فيها. بل إن مؤتمر الحاخامات الذي عقد في مدينة فيلادلفيا في أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر أصدر بيانًا يقول: إن الرسالة الروحية التي يحملها اليهود تتنافى مع إقامة وحدة سياسية يهودية منفصلة! وإزاء هذا فكر " هرتزل" في طريقة يواجه بها هذا الوضع، وهداه تفكيره إلى أن يحول الموضوع إلى قضية دينية يلهب بها عواطف جماهير اليهود. . ورأى أن فلسطين هي المكان الوحيد الذي يناسب هذه الدعوة الجديدة، ولليهود بفلسطين علائق تاريخية ولهم فيها مقدسات دينية، وارتفعت راية الدين على سارية المشروع والتهبت العواطف، وانتصر رأي " هرتزل" وإن يكن بعد وفاته، فقد احتضن المؤتمر اليهودي العالمي فكرة الوطن اليهودي في فلسطين عام 1905، بعد موته بسنة.

■ أولا : بطلان دعوى الحق التاريخي:
----------------------------------------
من المعروف تاريخيًا: أن أول من بني القدس هم "اليبوسيون" وهم قبيلة من قبائل العرب القدامى، نزحت من شبه الجزيرة العربية مع الكنعانيين، وذلك منذ نحو ثلاثين قرنًا قبل الميلاد، وكانت تسمى "أورشالم" أو مدينة "شالم"، وهو إله اليبوسيين، كما احتفظت باسمها الأول "يبوس" نسبة إلى القبيلة، وقد ورد ذكر هذا الاسم في التوراة.
وبعد ذلك سكن القدس وسكن فلسطين عامة: العرب الكنعانيون وغيرهم قرونًا وقرونًا، إلى أن جاءها إبراهيم عليه السلام مهاجرًا من وطنه الأصلي بالعراق، غريبًا، وقد دخل فلسطين هو وزوجه سارة، وعمره ـ كما تقول أسفار العهد القديم ـ (75) سنة.

ولما بلغ (100) سنة ولد له إسحاق ، ومات إبراهيم وعمره (175) سنة، ولم يمتلك شبرًا من فلسطين، حتى إن زوجه سارة لما ماتت طلب من الفلسطينيين لها قبرًا تدفن فيه.

ولما بلغ إسحاق (60) سنة ولد له يعقوب، ومات إسحاق وعمره (180) سنة، ولم يملك شبرًا أيضًا منها.

ارتحل يعقوب بذريته بعد أبيه إلى مصر، ومات بها وعمره (147) سنة، وكان عدد بنيه وأولادهم (70) نفسًا لما دخلها، وكان عمره (130) سنة .

ومعنى هذا أن المدة التي عاشها إبراهيم وابنه إسحاق، وحفيده يعقوب في فلسطين: (230) سنة، وقد كانوا فيها غرباء لا يملكون من أرضها ذراعًا ولا شبرًا.

وتقول التوراة: إن المدة التي عاشها بنو إسرائيل بمصر حتى أخرجهم موسى: (430) سنة ، كانوا أيضًا غرباء لا يملكون شيئًا، كما تقول التوراة: إن المدة التي عاشها موسى وبنو إسرائيل في التيه بسيناء (40) سنة، أي ان العهد الذي صدر إليهم من الله مضى عليه حينذاك (700) سبعمائة سنة، وهم لا يملكون في فلسطين شيئًا.

ومات موسى ولم يدخل أرض فلسطين، إنما دخل شرقي الأردن ومات بها والذي دخلها بعده: يشوع (يوشع)، ومات بعد ما أباد أهلها (كما تقول التوراة). وقسم الأرض على أسباط بني إسرائيل، ولم يقُم لبني إسرائيل ملك ولا مملكة، وإنما قام بعده قضاة حكموهم (200) سنة، ثم جاء بعد القضاة حكم الملوك: شاؤول وداود وسليمان، فحكموا (100) سنة، بل اقل، وهذه هي مدة دولتهم، والفترة الذهبية لهم. وبعد سليمان انقسمت مملكته بين أولاده: يهوذا في أورشليم، وإسرائيل في شكيم (نابلس)، وكانت الحرب بينهما ضروسًا لا تتوقف، حتى جاء الغزو البابلي فمحقهما محقًا، دمر الهيكل وأرشليم، وأحرق التوراة، وسبى كل من بقي منهم حيًا، كما هو معلوم من التاريخ.

ويعلق على ذلك الشيخ عبد المعز عبد الستار في كتابه (اقترب الوعد الحق يا إسرائيل) قائلاً:

(فلو جمعت كل السنوات التي عاشوها في فلسطين غزاة مخرّبين، ما بلغت المدة التي قضاها الإنجليز في الهند أو الهولنديون في إندونيسيا! فلو كان لمثل هذه المدة حق تاريخي لكان للإنجليز والهولنديين أن يطالبوا به مثلهم.

ولو كانت الأرض تملك بطول الإقامة في زمن الغربة، لكان الأولى بهم أن يطالبوا بملكية مصر التي عاشوا فيها (430) سنة بدل فلسطين التي عاش فيها إبراهيم وأولاده (200) سنة أو تزيد قليلاً ودخلوها شخصين وخرجوا (70) نفسًا!

لكن هؤلاء اليهود لا يدعون الحق في امتلاك أرض فلسطين وحدها، وإنما يدعون الحق في امتلاك الكرة الأرضية كلها.

الله تعالى يقول: {والأرض وضعها للأنام} الرحمن: 10 أي لجميع الخلق، وهؤلاء يقولون: ( حين قسم العلي الأمم وفرق بني آدم وضع تخوم الأرض على عدد أسباط بني إسرائيل) ، ويقولون كما جاء في سفر يشوع : (كل موضع تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم)، فعلى مقتضى هذا المبدأ والقانون يكون من حقهم أن يطالبوا بمصر وكل أرض وطئوها.

بل في نكبة (5 يونيو 1967) سأل مندوب الأسوشيتدبرس جنديًا إسرائيليًا: ما هي حدود دولة إسرائيل؟ فأجابه بكل صلف وغرور: (حيث أضع قدمي)، وضرب بحذائه الأرض
إن الحق التاريخي الذي يدعونه ـ كما يقول الشيخ عبد المعز ـ خرافة وصلافة، فهم لم يقيموا في فلسطين إلا غرباء، كما تصرح بذلك الأسفار، فهل للغريب أو عابر السبيل أن يدعي ملكية الأرض التي أقلته، أو الشجرة التي أظلته، لأنه قال تحتها ساعة من نهار؟ على أنهم لم يقيموا بها آمنين عاملين مستثمرين، وإنما أقاموا في سلسلة متصلة من الغارات الدامية، والحروب الدائرة التي لم تتوقف فيما بينهم بعضهم وبعض " يهوذا وإسرائيل"، وفيما بينهم وبين الفلسطينيين.

وقد بلغ عدد من قتلوا من الفلسطينيين مائتي ألف قتيل ، وعدد من قتلهم داود وحده بعد ذلك أكثر من (100) ألف قتيل ، ـ حسب قول كتبهم ـ ثم دهاهم الغزو البابلي فبددهم.

على أنهم لم يكادوا ينفكون من الغزو البابلي، حتى جاءهم الغزو الروماني فأباد خضراءهم ومزقهم كل ممزق، ثم جاء الفتح الإسلامي وهم مشردون في الأرض، محّرمٌ عليهم أن يقيموا في أورشليم، حتى إن البطريك صفرنيوس بطريرك القدس شرط على أمير المؤمنين عمر وهو يسلمه مفاتيح القدس؛ ألا يسمح لليهود بدخول إيليا أو الإقامة فيها.
لقد دخلها العرب وهي خالية من اليهود، بعد ما طردهم الرومان، وأسلم أهلها، وبقي العرب فيها أكثر من ألف وأربعمائة عام، أفلا يكون لهم حق تاريخي مثل اليهود؟

■ مناقشة هادئة

ونضيف إلى هذه الحقائق مناقشة هادئة نتمم بها إبطال دعوى الحق التاريخي التي زعم بها اليهود أن فلسطين كلها كانت أرض الآباء والأجداد.

يقول مؤلف (تاريخ اليهود):

" والذي لا شك فيه أن داود ـ الذي يقال: إن مملكة إسرائيل وصلت في عهده إلى أقصى درجات اتساعها ـ لم يتمكن من فرض سيطرته، لا على المنطقة بين النيل والفرات، ولا على أرض كنعان وحدها، ولا حتى على منطقة شرق فلسطين الجبلية، وعلى ذلك فإن الأدلة التاريخية تؤكد أن أكبر رقعة استطاعت إسرائيل السيطرة عليها في أي وقت من الأوقات لم تكن في العصور القديمة، وإنما في العصر الحديث، عند احتلالها مجمل أرض فلسطين ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان وأرض سيناء، وكان ذلك للمرة الأولى (عام 1967م).

فلم يكن لبني إسرائيل وجود ـ أيام داود ـ لا في أي موقع بالساحل الفلسطيني، ولا في الجليل بشمال فلسطين، بخلاف موقع صغير عند تل القاضي، ولا في صحراء النقب في الجنوب، وكان وجودهم عندئذ منحصرًا في بعض المواقع الجبلية في المنطقة الممتدة من دان "تل القاضي" في الشمال إلى "بئر سبع" في الجنوب.

وسوف نرى كيف أن الكهنة الذين أعادوا صياغة كتب" العهد القديم" وهم في بابل خلال القرن السادس ق. م، استعاروا من الكتابات المصرية قصة حروب تحتمس الثالث، أعظم ملوك العالم القديم، لتكوين الإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات ـ كما نجدها منقوشة على جدران معبد الكرنك ـ وأضافوها إلى رواية ملكهم داود، بل حتى لم يحاولوا مزج الجزء الذي استعاروه من المصادر المصرية، وأدخلوه كما هو من دون تعديل كبير في وسط الرواية الرئيسية، فظهر واضحًا أنه لا علاقة له بباقي القصة، فنحن نجد داود بني إسرائيل ومعه جيشه المكون من (600) رجل يحاولون في صراع داخلي بين القبائل الإسرائيلية، أو مع الفلسطينيين، وفجأة نجد تفاصيل معركة كبيرة تخوضها جيوش منظمة في مواقع محصنة عدة من أرض الهلال الخصيب، ولم يكن صدق الرواية التاريخية يهم الكهنة في شيء، وإنما كان هدفهم الرئيسي من ادعاء هذه الانتصارات الجبارة هو حث بني إسرائيل على ترك عبادة الأصنام والعودة إلى ديانة موسى، حتى ينصرهم ربهم على أعدائهم .

ولا بد لنا أن نذكر ـ ولو بإيجاز ـ ما صنعه البابليون والرومان ببني إسرائيل، الذين سلطهم القدر عليهم لتأديبهم، جزاء إفسادهم في الأرض وطغيانهم بغير الحق.

ففي عام (597 ق. م) زحف الملك البابلي "نبوخذ نصر" على أورشليم، وأخذ معظم سكّانها أسرى إلى بابل. وبتحريض من مصر ثارت البقية من سكان المدينة على سادتهم الجدد. فقدم ملك بابل بنفسه وفرض على أورشليم حصارًا استمر عامين (588 ق. م)، واستسلمت المدينة على أثره ودمرت، ولم يترك البابليون فيها إلا الضعفاء" أما بقية أهلها فقد سيقوا في الأسر إلى نهر الفرات.

ومنذ ذلك الوقت ـ كما يقول الأستاذ محمد صبيح ـ انتهى وجود اليهود في فلسطين كحكومة لها سلطة وشعب يتبعها. وبقي لهم المعنى الديني، وهو أنهم شعبة من القبائل، تنتسب لإبراهيم الخليل صلوات الله عليه.

هذه هي خاتمة اليهود في أورشليم، أي فيما كان يسمى مملكة إسرائيل التي أنشأها داود عليه السلام . . . ثم انقسمت من بعده إلى يهوذا، وإسرائيل . . وقد حكم في أورشليم من بعد سليمان عشرون ملكًا حتى ابتداء السبي البابلي، وذلك في الفترة من عام (930 ق.م) (وفاة سليمان) حتى عام (586 ق.م).

أما المملكة الشمالية، التي كان اسمها إسرائيل، وعاصمتها شكيم (نابلس)، فقد حكمها الابن الثاني لسليمان الحكيم، أي عام (930 ق.م) وانتهى وجودها سريعًا. ففي عام (722 ق.م) أغار عليها سرجون الثاني ملك بابل، ودمر وجودها، ونقل جميع أهلها إلى شرق الفرات، وأحل محلهم سكانًا جددًا من أبناء الرافدين. وكان عدد ملوك إسرائيل هذه تسعة عشر ملكًا، عاشوا في شغب، ومحالفات خائبة مع الوثنيين لمهاجمة أبناء عمومتهم في أرشليم.

وإذا حسبنا عمر هاتين الدولتين، تكون أورشليم (يهوذا) قد عُمِّرت (434) سنة بما فيها ملك شاول وداود وسليمان (وإسرائيل) عٌمِّرت (298) سنة فقط، منذ عهد شاول (1020 ق.م).

وكما نرى فإن سيادة اليهود على قطعة محدودة من أرض فلسطين انتهت قبل ميلاد المسيح عليه السلام بحوالي ستة قرون، وبعد خمسة وعشرين قرنًا وبعض قرن، يحاولون أن يعيدوا هذا التاريخ السحيق مرة أخرى، وياله من تاريخ، ويالها من عودة!
ونحن هنا نتحدث عن "السيادة" على قطعة من الأرض ونهايتها. أما ختام الوجود اليهودي في فلسطين فقد تأخر بعض الوقت. . تأخر إلى عهد الرومان إلى عام (70م)، كما سنرى فيما بعد.

■ حديث القرآن عن إفساد بني إسرائيل وعقوبتهم

وقد تحدث القرآن الكريم عن هاتين النهايتين: تدمير سيادتهم بالأسر البابلي، وإنهاء وجودهم بالسحق الروماني، وذلك في الآيات الكريمة:

{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين، ولتعلن علوًا كبيرًا}.
{فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولى بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدًا مفعولاً}.

{ثم رددنا لكم الكرة عليهم، وأمددناكم بأموال وبنين، وجعلناكم أكثر نفيرًا}.
{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة، ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوا أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرًا . عسى ربكم أن يرحكم، وإن عدتم عدنا} الإسراء: 4 ـ 8

■ آيات سورة الإسراء ورأي بعض علماء العصر:

وقد ذهب بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوي والشيخ عبد المعز عبد الستار وغيرهما إلى أن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهي ما قام به بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وأهل خيبر، من كيد وبغي على الرسول وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم.

وكان العباد المسلطون عليهم هم النبي والصحابة. بدليل مدح هؤلاء بإضافتهم إلى الله بقوله (عبادًا لنا). أما إفسادتهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحرمات، وإهدار للحقوق، وسفك الدماء، وغيرها.

وسيتحقق وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل.

■ تفنيدنا لهذا الرأي وأدلة ذلك:

ورأيي أن هذا التفسير ضعيف لعدة أوجه:

أولاً: أن قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} أي أنهينا إليهم وأعلمناهم في الكتاب، والمراد به: التوراة، كما قال قبلها: {وآتينا موسى الكتاب} وما جاء في الكتاب أي أسفار التوراة يدل على أن هاتين المرتين قد وقعتا، كما في سفر تثنية الاشتراع.

ثانيًا: أن قبائل بني قينقاع والنضير وقريظة لا تمثل بني إسرائيل في قوتهم وملكهم، إنما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل بعد أن قطَّعوا في الأرض أمما.

ثالثًا: أن الرسول والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل، ـ كما أشارت الآية الكريمة ـ إذ لم تكن لهم ديار، وإنما هي ديار العرب في أرض العرب.

رابعًا: أن قوله تعالى (عبادًا لنا) لا يعني أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار والعصاة إلى ذاته المقدسة، كما في قوله تعالى: {أأنتم أضللتهم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} الفرقان: 17

خامسًا: أن قوله تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا} الإسراء: 6 يتضمن امتنان الله تعالى عليهم بذلك، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل بإعطائهم الكرة على المسلمين.

سادسا: أن الله تعالى إنما رد الكرة لبني إسرائيل على أعدائهم بعد أن عاتبهم في المرة الأولى، لأنهم أحسنوا وأصلحوا، كما قال تعالى:{إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم} واليهود –كما عرفناهم وشاهدناهم- لم يحسنوا ولم يصلحوا قط، ولذا سلط الله عليهم هتلر وغيره. كما يبتلي ظالما بظالم. وهم منذ نحو مائة سنة يمكرون بنا ويتآمرون علينا، ليسرقوا أرضنا، فمتى أحسنوا حتى يرد الله لهم الكرة علينا؟؟

سابعا: أن الله تعالى قال في المرة الآخرة {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرًا} الإسراء:7
والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر ولم يتبروا ما علوا تتبيرًا، بل لم يكن شأن المسلمين أبدًا التتبير والتدمير في حروبهم وفتوحهم. إنما هو شأن البابليين والرومان الذين سلطوا على الإسرائيليين.

ثامنًا: أن ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الإفساد قد وقعتا، وأن الله تعالى عاقبهم على كل واحدة منهما، وليس هناك عقوبة أشد وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان والتدمير على أيدي البابليين الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميرًا، وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاء مبرما، وشردتهم في الأرض شذر مذر، كما قال تعالى: {وقطعناهم في الأرض أممًا} الأعراف: 168

والواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى: {وإن عدتم عدنا} الإسراء: 8 وهاهم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتؤدبهم، وتعرفهم قدر أنفسهم، كما قال الشاعر:

إن عادت العقرب عدنا لها * بالنعل والنعل لها حاضرة!

يؤكد ذلك قوله تعالى: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} الأعراف:167

وهذا الدمار الأول، الذي تم على أيدي البابليين، وتحدث عنه القرآن الكريم على النحو الذي نراه، كان بالغ التأثير على اليهود . . فقد أزال معظم الوجود اليهودي من فلسطين. وظهر من السهولة التي أجلى بها البابليون سكان (منطقة إسرائيل)، على يد "سرجون" ثم سكان (منطقة يهوذا) على يد "نبوخذ نصر". أن جذور هؤلاء القوم لم تكن عميقة في أرض فلسطين. وإذا استثنينا المعبد وقصرسليمان، فلا تكاد تذكر لهم آثار خلال تسعة قرون قبل هذا الإجلاء. وكل ما يمكن أن نقوله: إنهم أقاموا في جزء من أرض كنعان، بما فيها من قرى صغيرة . . وحتى المدن كانت أشبه بالقرى، باستثناء أورشليم وشكيم (نابلس) .

■ الفتح الإسلامي

وقد فتح المسلمون القدس في عهد عمر، كما ذكرنا من قبل، ولم يتسلموها من اليهود، بل لم يكن فيها يهودي واحد، فقد حرمها الرومان عليهم، بعد أن أنهوا وجودهم منذ أكثر من أربعة قرون، وكان من الشروط التي أقرها عمر لبطريك القدس: ألا يساكنهم فيها يهود.

وظل العهد العمري محترمًا معمولاً به خلال التاريخ الإسلامي، لأن المسلمين مأمورون أن يتبعوا سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، ولا ريب أن عمر منهم، إلى أن ظهر عهد آخر مزور على عمر رضي الله عنه، حذف منه النص بعدم إقامة اليهود في بيت المقدس، ولا ندري متى زور هذا العهد ، ومن ثم بدأ التسلل اليهودي إلى المدينة المقدسة في غفلة من المسلمين.

وقد ذكر لنا تاريخ الحروب الصليبية: ماذا أصاب المدينة المقدسة عندما احتلها الصليبيون، وقتلوا ستين ألفًا في مسجدها، وبقيت تحت أيديهم تسعين عامًا، إلى أن حررها القائد المسلم المظفر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة (1187) بعد انتصاره على الصليبيين في معركة حطين الشهيرة، مكملاً ما بدأه من قبلُ القائدان الكبيران: عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود الشهيد.

ولم يُعر التاريخ التفاتا إلى الوجود اليهودي في فلسطين، ولم يعطهم اهتمامًا، وعاملهم كما يعامل أهل الذمة في دار الإسلام تسامحًا وكرمًا وعدلاً وبرًا.

■ محاولات الصهيونية الحديثة الضغط على الدولة العثمانية:

ولكن الذي يحفظه التاريخ جيدًا هو محاولات الصهيونية الحديثة الضغط على الدولة العثمانية، وخصوصًا في فترات شيخوختها وضعفها، للسماح لليهود بتملك أجزاء من فلسطين، ولا سيما في عصر السلطان عبد الحميد، الذي وقف موقفًا مشرفًا يحفظه التاريخ ويسجله له بأحرف من نور.

كتب د . حسان حلاق في صحيفة "النهار" اللبنانية تعقيبًا جيدًا مبنيًا على الحقائق التاريخية قال فيه:

منذ أن تولى السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة العثمانية (1876 ـ 1909م) تنبه إلى خطورة إشغال الأراضي الفلسطينية لا سيما من اليهود، لهذا فقد أصدر منذ فترة مبكرة فرمانات سلطانية عدة تمنع إقامة اليهود الدائمة في فلسطين. وفي عام (1882م) صدرت قرارات جديدة بهذا المعنى ردًا على محاولات "جمعية أحباء صهيون" : الحصول على إذن رسمي بالهجرة، وقد حاول في الفترة ذاتها "لورنس أوليفانت" (l . oliphant) أن يوسط استراوس السفير الأمريكي في الآستانة للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، غير أن مساعيه فشلت لدي السلطان والأوساط العثمانية، وكان جواب السلطان عبد الحميد الثاني: " أن اليهود يستطيعون العيش بسلام في أية جهة من المملكة إلا في فلسطين، وأن الدولة العثمانية ترحب بالمضطهدين، ولكنها لا ترحب بإقامة مملكة لليهود في فلسطين يكون أساسها الدين، وعلى اليهود المهاجرين إلى الأراضي العثمانية أن يصبحوا رعايا عثمانيين، وأن يقبلوا تطبيق القوانين المعمول بها في الإمبراطورية".

لهذا فقد حرص السلطان عبد الحميد على تعيين متصرفين في فلسطين ممن يستطيعون منع الهجرة اليهودية واستقرار اليهود في مدنها، وكان في مقدم هؤلاء متصرف القدس رؤوف باشا (1876 ـ 1888م)، وعندما تيقنت الدولة العثمانية أن بعض الدول الأجنبية تساعد على تسريب اليهود إلى فلسطين أصدر الباب العالي قرارًا في (29 حزيران 1892م) تضمن ضرورة منع الذين يحملون جنسيات أجنبية من الدخول إلى فلسطين، وتكررت هذه الفرمانات، وأبلغت إلى القنصليات الأجنبية، مع استياء الدولة العثمانية من ممارستها في دعمها الهجرة اليهودية.

هذا وقد أكدت وثائق وزارة الخارجية البريطانية (F.O) موقف الدولة العثمانية الصارم ضد الهجرة اليهودية، ومن بينها تقارير ديكسون (Dickson) القنصل البريطاني في القدس حينما أشار في تقرير بتاريخ (14 شباط 1892م) إلى " أن التعليمات الصادرة من الباب العالي تفيد بأن هجرة اليهود بقصد الاستقرار في فلسطين غير مسموح بها، أما الذين يرغبون في زيارة البلاد كحجاج فسوف يسمح لهم بالإقامة لمدة تراوح بين شهر أو شهرين ينبغي عليهم بعدها مغادرة البلاد".

لقد حاول الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل أن يحصل على فرمان من السلطان عبد الحميد الثاني للسماح لليهود بهجرة رسمية منظمة، ووسّط لهذه الغاية: البابوية وإنكلترا والنمسا وألمانيا والقوى الأمريكية وبعض الأوساط التركية، ولما تأكد له فشل مساعيه رأى هرتزل ضرورة القضاء على الدولة العثمانية، ومما قاله: " إن القضاء على الدولة العثمانية أو تقسيمها هو الحل الوحيد لقيام الدولة اليهودية، إنه إذا تم تقسيم تركيا في المستقبل القريب، فسوف تقف الدولة الصهيونية التي تقام في فلسطين حاجزًا، أما إذا قبل السلطان بالمطالب والعروض اليهودية، فهذا مما يبدل سياسة الصهيونية نحوه، فنحن نستطيع أن نسند السلطان سندًا قويًا بالمال إذا هو تخلى لنا عن قطعة أرض لا قيمة كبيرة لها عنده" (يوميات هرتزل 13 نيسان 1896م).

لقد كانت الزيارة الأولى لهرتزل لاسطنبول في (18 حزيران 1896م)، وقد زارها كصحافي وليس كزعيم صهيوني، وكرر زياراته في ما بعد، ولكن من دون جدوى، وأهم تعبير عن موقف الدولة والسلطان عبد الحميد الثاني من المطالب الصهيونية ما دوَّنه هرتزل في يومياته ومذكراته بعد أن صدم من الموقف العثماني. لقد دوّن هرتزل موقف السلطان حينما رد على الوسطاء بما يأتي: " لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وقد غذوها في ما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا . . لا أستطيع أبدًا أن أعطي أحدًا أي جزء منها، ليحتفظ اليهود بملياراتهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين، من دون مقابل، إنما لن تقسم إلا على جثثنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان" (يوميات هرتزل 19 حزيران 1896م)، ص 378، الترجمة العربية ص 35).

لقد استمر هرتزل حتى وفاته عام (1904م) يحاول الحصول على إذن رسمي بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد فشل في مساعيه جميعها، مما دعاه للتفكير قبل وفاته بضرورة إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش حتى يتحقق الحلم الصهيوني، وبالفعل فإن قادة الحركة الصهيونية رأوا ضرورة الارتباط مع القوى الدولية الهادفة إلى السيطرة على الدولة العثمانية وتقسيمها، ومن ثم التعاون مع القوى التركية المعارضة للسلطات الممثلة بجماعة "تركيا الفتاة" وجناحها "الاتحاد والترقي"، وهي الجمعية الطورانية المتعصبة ضد العرب، والعاملة ضد كل ما هو عربي، لهذا كله تجمعت القوى الصهيونية والماسونية والدونمة والقوى الدولية، وبدأت اجتماعاتها المكثفة في خلايا سالونيك للتخطيط لخلع السلطان عن العرش، بعد أن تعذر تحقيق الحلم الصهيوني وهو لا يزال على العرش.

لقد أشارت الوثائق البريطانية والوثائق التركية إلى أن الحقيقة الظاهرة في تكوين " جمعية الاتحاد والترقي" أنها غير تركية وغير إسلامية، فمنذ إنشائها لم يظهر بين قادتها وزعمائها عضو واحد من أصل تركي خالص، فـ (أنور) باشا مثلاً هو ابن رجل بولندي، وكان (جاويد) من يهود الدونـمة، و (قارصوه) من يهود إسبانيا، وكان (طلعت) باشا بلغاريًا من أصل غجري اعتنق الإسلام ظاهرًا، أما (أحمد رضا) فقد كان نصفه شركسيًا والنصف الآخر مجريًا، كما أن (نسيم روسو) و(نسيم مازلياج) كانا من اليهود ومن العناصر الفاعلة في حركة " تركيا الفتاة" التي أعدت الثورة ضد السلطان عبد الحميد الثاني.

لقد نجحت هذه القوى مجتمعه في ثورة عام (1908م)، وفي خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش عام (1909)، ودفع السلطان ثمنًا غاليًا نتيجة مواقفه المشرفة من فلسطين ومن العرب. والدولة العثمانية بعد عام (1909م) هي غيرها قبل عام (1909م)، وكان أحد رموز الحكومة الجديدة ورموز الطورانية (أحمد جمال) باشا الذي عانى منه الشعب اللبناني والسوري في عامي (1915 ـ 1916م)، وهذا الرجل ليس هو سوى وليد الحركة الصهيونية والدونـمة و "الاتحاد والترقي" وهي القوى المعادية للعرب وللعروبة على السواء أ هـ .

وهي في نفس الوقت معادية كل العداء للإسلام: عقيدته وشريعته ونبيه وقرآنه وحضارته وأمته.

وخلاصة هذا البحث ما قاله صديقنا البحاثة. د. حسان حتحوت: أن اليهود عاشوا في فلسطين فترة محدودة من الزمن، ولكن التاريخ يسجل: أنهم عندما دخلوها، لم يجدوها فارغة، وعندما رحلوا عنها لم يتركوها فارغة " لقد كان فيها أهلها ( الفلسطينيون المذكورون في التوراة) قبل اليهود، ومع اليهود، وبعد اليهود، وما زالوا حتى الآن" والحق التاريخي إذن لا يقوم على أساس، والأجدر أن يسمى ( الزيف التاريخي) .

(الدكتور يوسف القرضاوي)

5‏/10‏/2015

الدنيا دار بلاء و ليس استواء..!

ما من محنة تصيب المؤمن مطلقاً إلا وراءها منحة، وما من شِدة يقع بالمؤمن إلا وراءها شَدة إلى الله، المحنة تنتهي بمنحة، الشِدة تنتهي بشَدة، ذلك لأن هذه الدنيا في الأصل دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى.
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
( سورة المؤمنين )
ويوم توطّن نفسك على أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا تفاجَأ بالابتلاء، وفي الحديث عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ: 
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))
[الترمذي]
فكلما زاد إيمانك اشتد بلاؤك الدعوي، وهناك بلاء عقاب.
أنواع الابتلاء:
أيها الإخوة، هذا الموضوع لا بد من أن نعرج على أنوع الابتلاء 
1.مصيبة ردع أو مصيبة قصم:
هذه تنزل بالكفار والمشركين والشاردين.
﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
( سورة هود ).
الذي شرد عن الله عز وجل، والذي ابتعد عن الدين بُعداً كبيراً هذا إن كان فيه بقية خير يردعه الله، وإن لم يكن فيه خير يقصمه الله، لا علاقة لنا في هذا الدرس بمصائب القصم أو الردع، 
2. ابتلاء دفع إلى الله:
لكن نحن إن شاء الله كمؤمنين علاقتنا بآية ثانية:
كل يوم تهديدات:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
( سورة البقرة ).
إذاً يبتلى المؤمن، ولكن هناك حقيقة، أن لك عند الله مرتبة، فإما أن تبلغها بالعمل الصالح، وإما أن تبلغها بالصبر على مصيبة، أيهما أهون ؟ إما أن تبلغها بعمل صالح تتألق به، وإما أن تصبر على مصيبة.
أنا أنصح الإخوة المؤمنين أنهم إذا شمروا لخدمة الخلق يبلغون مرتبتهم عند الله بعمل لا بصبر، وإلا فلا بد من أن يرحمنا الله عز وجل، هذه الدنيا ليست دار نعيم، لكنها دار ابتلاء، فالمؤمن مبتلى، والآية تقول:
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
ابتلاء المؤمن دفع إلى الله
لكن المؤمن بلاءه بسبب ضعف سيره إلى الله أحياناً، فيكون الابتلاء ابتلاء دفع إلى الله.
حدثني أخ أنه في زلازل تركيا لم تتسع المساجد في الأوقات الخمسة للمصلين، ولا الصحن، حتى أوجدوا ملحقات للمساجد عقب الزلزال.
أيها الإخوة، بين أن تخاف بعقلك وأن تخاف بعينك فرق كبير جداً، فكلما ارتقى عقل الإنسان خاف بعقله، وكلما هبط عقل الإنسان خاف بعينه، فالإنسان ضعيف التفكير عند الخطر يخاف، أما العاقل فيتوقع الخطر، فيستعد لعدم بلوغه بطاعة الله عز وجل،
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
فالمؤمن مصيبته مصيبة دفع، عنده سرعة بطيئة، وتهاون، فيجعل الله عز وجل له شبح مصيبة فيغدو إلى الله.
مرة سألني أحدهم سؤالا في دعابة فأجبت عليه بإجابة لطيفة، قال لي: ما ملخص دعوتك في الأعوام الثلاثين ؟ قلت له: إما أن تأتيه مسرعاً، وإما أن يأتي بك مسرعاً، اختر واحدة، إما أن تأتيه طواعية برغبتك وبمبادرة منك، وإما أن يأتي بك مسرعاً.
لي أخ التحق بالمسجد من سنوات عدة، قال لي: قبل أن اصطلح مع الله كنت أعمل في عمل تجاري درّ علي مبالغ كبيرة جداً، والله قال لي بالحرف الواحد: وضعت في جيبي 500 ألف، وتوجهت إلى بلد بعيد كي أستمتع، ولم آخذ معي أحداً، وصل إلى هذا البلد البعيد، وهو يحلم بأن يمضي شهراً كما يحب من دون قيد، من دون ضابط، من دون رقابة، من دون محاسبة، من دون تكليف، وإذ آلام في ظهره، قال: فدخلت إلى المستشفى، وأجريت الفحوص، نتائج التشخيص سرطان في العمود الفقري، قال لي: عدت أدراجي إلى الشام أتنقل من مسجد إلى مسجد، ومن شيخ إلى شيخ، وتاب الله عليه.
فإما أن تأتيه مسرعاً، وإما أن يأتي بك مسرعاً، عند الله أساليب تدع الحليم حيران.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
( سورة البروج ).
هناك فتاة تحب أن تتوظف في التدريس، وهي متفلتة، سافرة، لا تصلي، قدمت أوراقها الثبوتية فطولبت بشهادة صحية من مشفى المجتهد، ذهبت إلى المشفى، وأجرت فحصاً شاملاً، فكان الجواب سلّ رئوي، وهو مرض مُعدٍ، فعلم أهلها بذلك، وابتعدوا عنها، وجعلوها تقبع في غرفتها، واستخدموا لها أدوات خاصة بها، وبقيت تبكي، وتبكي، وتَبكي، وقد رأت مصيرها الأسود، ثم خطر لها أن تتوب إلى الله، وأن تصطلح معه، وأن تبدأ بالصلاة، وأن تبدأ بالحجاب، وبعد أن تابت إلى الله عز وجل ذهب أخوها إلى المستشفى ليتأكد من النتيجة، فإذا بالنتيجة ليست لها، بل لغيرها، لكن الله سبحانه وتعالى أتى بها مسرعة، فإما أن تأتيه مسرعاً، أو يأتي بك مسرعاً.
إذاً الكفار والمشركون مصائبهم مصائب ردع أو قصم، أما المؤمنون فمصائبهم مصائب دفع أو رفع. 
2. مصيبة الطائف كانت مصيبة كشف
درسنا السيرة النبوية، ما نوع مصيبة الطائف للنبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال العلماء: هي مصيبة كشف، لأن النبي صلى الله عليه و سلم ينطوي على كمال لا يمكن أن يظهر إلا بهذه الطريقة.
للتقريب: عندك مركبة قوة محركها ألف حصان، هذه المركبة لا تبدو ميزاتها في الطريق السهل، ولا في الطريق النازلة، ولا في الطريق الصاعدة صعوداً بطيئاً، تبدو ميزاتها في طريق يكاد يكون حائطاً.
فالنبي عليه الصلاة والسلام ينطوي على كمال لا يظهر إلا بهذه المصيبة، لذلك كانت مصائب الأنبياء والمرسلين مصائب كشف، لأنها كشفت لهم عن كمالهم.
لو أن إنسانًا يحمل دكتوراه، وأخطأ المتكلم، وقال له: أستاذ، يقيم عليه الدنيا ولا يقعدها، فكيف إذا لم يرفق بأية صفة علمية !؟ فكيف إذا تهجمتَ عليه !؟ فكيف إذا نظرت إليه نظرة قاسية !؟ فكيف إذا شتمته !؟ فكيف إذا ضربته !؟ .
سيد الخلق وحبيب الحق أغرى أهل الطائفُ صبيانهم أن يضربوه، ماذا فعل ؟ الآن إذا كانت زوجة أحدهم أكبر منه بخمس سنوات يندب حظه طول حياته، يقول: غلطت !؟ وأخذتها كبيرة، سيدنا الصديق كان مما يؤثر عنه أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط، والدعاء المعروف !؟ والله يحتاج الآن كل مسلم وكأنه معنا:
(( اللهم إليكَ أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ))
[الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر]
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 
(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ـ مليار وأربع مئة مليون ـ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
[أبو داود وأحمد]
النبي عليه الصلاة والسلام نصِر بالرعب مسيرة شهر، وأمته حينما تركت سنته التزمت بالرعب مسيرة عام.
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
3. مصيبة للمؤمنين هي دفع أو رفع
أحدهم أصابه الله بمرض، وأنا والله لا أزكي على الله أحدا، لكنني أحسبه مستقيماً استقامة تامة، وأحسبه بذل كل ما في وسعه لتعليم النشء الجديد وهدايته، وهو ملتزم، وصالح، وزوجته محجبة، دخله حلال، أصيب بمرض، قلت له: أشد الناس بلاء الأنبياء، والنبي أشدهم بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر إيمانه.
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
( سورة الطور الآية: 48 ).
من الخطأ الكبير الشنيع أن تتوهم أن المصائب كلها من نوع واحد، هناك مصيبة قصم والعياذ بالله.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 
اكتشف مع كل مصيبة رسالة الله إليك
(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ))
[مسلم]
فالمصيبة لأهل الدنيا الشاربين، الكافرين، المشركين، مصيبة قصم أو ردع، لكن للمؤمنين هي مصيبة دفع أو رفع.
وفي الأثر: " وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ". 
إذا وصلنا إلى القبر، وقد طهرنا الله من أدران الدنيا، من شهوات الدنيا، من شبهات الدنيا، فنحن في خير كبير، أخطر مرض لا أعراض له، كالسرطان، فإذا كان لمرض أعراض فهذا نعمة كبيرة، في البدايات يتحرك المريض، أما الأمراض الوبيلة التي ليس لها أعراض كقوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
( سورة الأنعام ).
4. المؤمن يرضى بكل الشدائد إذا كان الله راضىٍ عنه
من دون أعراض، موت مفاجئ، أما المؤمن فهو مبتلى، مذنب تواب، إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
أيْ: يا رب إن كانت هذه الشدة التي أنا فيها لا علاقة لها بمحبتك لي ورضاك عني فأنا لا أبالي.
فليتك تحلو و الحياة مـــريرة و ليتك ترضى والأنام غِضـابُ
و ليت الذي بيني و بينك عامـر و بيني وبين العالمين خــرابُ
وليت شرابي من ودادك سائـغ وشربي من ماء الـفرات سرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هيّن و الكل الذي فوق الـتراب تراب
هذا المؤمن يرضى بكل شيء، لكنه يقلق أشد القلق أن يغضب الله عليه.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حــجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحـــبنا
ولذ بحمانا و احتمِ بجـنـــابنا لنحميك مما فيه أشرار خـــلقنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــل وأخلص لنا تلق المسرة و الــهنا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكـن فما القرب والإبعاد إلا بأمـــرنا
فلو لاح من أنوارنا لك لائــح تركت جميع الكائنات لأجلـــنا
فما حبنا سهل وكل من ادعــى سهولته قلنا له:قد جهلـــــتنا
لذلك:
(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ))
إذا كان هذا الذي أصابني لا علاقة له بمحبتك، ولا برضوانك فلا أبالي.
سيدنا عمر رضي الله عن عمر له كلمة رائعة، كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثًا ـ كلمة رائعة جداً ـ كان إذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله ثلاثًا، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ـ صلاتك، صيامك، غض بصرك، دخلك، إنفاقك، بيتك، زوجتك، بناتك، سهراتك، لقاءاتك، كلامك، كله وفق منهج الله ـ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، كل شيء في الدنيا يعوَّض، بل إن أكبر مرض في الدنيا ينتهي عند الموت، وموته على الإيمان خير من الدنيا وما فيها.
جاءتني خاطرة، قبل أيام كنت في الطريق فرأيت جنازة، حدثت نفسي لو أن هذا الذي في النعش مات على الإيمان، مِمَّ استراح ؟ استراح من ارتفاع الدولار، واستراح من الضغوط، واستراح من القلق، واستراح من شبح حرب أهلية، أليس كذلك ؟ واستراح من مكر الأعداء، عددت أكثر من ثلاثين بندًا، استراح منها لو أنه مات على الإيمان طبعاً. 
الموت راحة كل المؤمن
الدنيا عناء المؤمن
لذلك عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ:
(( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ))
[ متفق عليه ].
العبد المؤمن إذا مات استراح من عناء الدنيا، انتهى التكليف، انتهت الفتن، انتهت النساء الكاسيات العاريات، انتهى عقوق الأبناء، انتهت الزوجة السيئة، انتهى الشريك الصعب، إذا مات العبد المؤمن استراح من عناء الدنيا، دققوا الآن:
(( وإذا مات َالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشّجَرُ وَالدّوَاب ))
البلاد الجماد، والعباد البشر، والشجر النبات، والدواب الحيوانات. 
الفرق بين الأنبياء و الأقوياء
لذلك أيها الإخوة، في الأرض زمرتان: أقوياء وأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا، ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا، ولم يأخذوا، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم، وبعد موتهم ، وبعد 1400 عام من موتهم، اذهب إلى المدينة المنورة، ملايين، من الهند، من باكستان، من الصين، من بنغلادش، من الشرق الأوسط، من المغرب، الكل يبكي أمام قبره، ما التقوا معه، ماذا أعطاهم ؟ والله هذا شيء لا يكاد يصدق، يا رب، ما هذا الإنسان ؟ يقف الإنسان أمام قبره بكل أدب، ويقول له: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، السلام عليك يا سيدي يا حبيب الله، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت بالله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
نحن الآن ماذا قدمنا للإسلام ؟
النبي صلى الله عليه و سلم ذهب إلى الطائف، وكذبه أهلها، وسخروا منه، واستهزؤوا به، وقال أحدهم له: والله لو أنك صادق فيما تقول لمزقت ثياب الكعبة، ثم ضربوه، حتى سال الدم من أعضائه، ماذا قدمت أنت ؟ الرحلة بالطائرة من المدينة إلى جدة أو بالعكس تستغرق خمسا وثلاثين دقيقة، المقاعد مريحة ووثيرة، والطائرة مكيفة، مع طعام، مع ضيافة، أما النبي صلى الله عليه و سلم فقد قطعها في الهجرة في اثني عشر يوماً، ودمه مهدور، ومئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ في الله، وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ مثلي ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنهما ]
إنه بشر، ولأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ].
سيدنا خالد هذا الذي فتح هذه البلاد، قال: " خضت مئة معركة، وليس في بدني موضع إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء ".
بماذا أنت مطالب اليوم ؟ بحضور مجلس علم فقط في مسجد فيه سجاد، وتدفئة، وصوت ، بماذا أنت مطالب اليوم ؟ بأداء الصلوات، بصيام رمضان، بغض بصرك، بتربية أولادك. 
سيدنا ابن رواحة عينه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث في مؤتة، أول قائد كان زيد بن حارث، حمل الراية، وقاتل بها حتى قتل، جاء بعده سيدنا جعفر، أمسك الراية، وقاتل بها حتى قتل، جاء دور ابن رواحة، وكان شاعراً، أنا عددت كم يستغرق الوقت لبيتين من الشعر، قال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت وإن توليت فـــقد شقيت
تردد عشر ثوانٍ، لا بتقديم ماله، بل بتقديم نفسه، قال عليه الصلاة والسلام:
أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني أراه يطير في الجنة بجناحين، وسكت، فلما سكت النبي صلى الله عليه و سلم قلق أصحاب رسول الله على أخيهم عبد الله، قالوا: يا رسول الله، ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازورارا عن صاحبيه ، هبط مقامه، لماذا ؟ لأنه تردد عشر ثوان بتقديم روحه لله.
بماذا أنتم الآن مكلفون ؟ فقط بحضور درس علم، من أجل أن تعرفوا ربكم، بماذا انتم مطالبون ؟ بخمس صلوات، كل صلاة ثلث ساعة، بماذا أنتم مطالبون ؟ ماذا قدمنا ؟
قف واسأل نفسك ماذا قدمت لدينك؟
موضوع الطائف أيها الإخوة امتحن الله به سيد الخلق وحبيب الحق، فكشف هذا الامتحان كماله صلى الله عليه و سلم، قلت قبل قليل: إن واحدًا يحمل لقب دكتور، وإذا قال له أحدهم: أستاذ، لا يتحمل، تعاتبه، فكيف إذا لم يقل لك شيئًا ؟!
بالمناسبة، يمكن ما من إنسان على وجه الأرض فيما أعتقد يحب إنساناً كحب الصدِّيق لرسول الله صلى الله عليه و سلم، لكن العجب لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، ما قال: رسول الله، وما قال: نبي الله، كان يقول: يا حبيبي يا رسول الله، قال: 
(( أَمَّا بَعْدُ ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ] وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ... إِلَى الشَّاكِرِينَ ))
[متفق عليه]
ليرسخ التوحيد، العبادة لله وحده، من كان يعبد محمداً، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضُرب، وكُذب، واستهزأ به، وأعلن أن يا رب، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، وإن كان بك عليّ غضب يا رب فإني أستسمحك عذراً، فاغفر لي يا رب، يا ترى أنت لك مناجاة مع الله ؟ تخاطبه، جلست صباحاً بعد الصلاة، قبل أن تنام، تستغفره، تعلن عن محبتك له، في الصلاة يقول لك الإمام: سمع الله لمن حمده، يعني أنا يا عبدي استمع إليك، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وإن كان في غضب لك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، أنا ما رأيت دعاء بليغًا جامعًا مانعًا شاملا عميقًا كهذا الدعاء، ما هذا الموقف، يا رب، هذه المصيبة إن عبرت عن غضبك فأنا أقلق لها أشد الغضب، ولك العتبى حتى ترضى، وإن لم يكن لها علاقة برضاك عني ومحبتك لي فلا أبالي، أنا أتحملها، لكن الأدب، لكن عافيتك أوسع لي أريد لي، لا تسأل الله الابتلاء، قد لا تحتمل، قل: لكن عافيتك أوسع لي، تأدب مع الله، نحن في محنة كهذه المحنة. 
الحزن خلاق
إخوانا الكرام، الحزن خلاق، الحزن يجعل للإنسان يتألق، أنا رأيت ماسة في استنبول بمتحف مشهور جداً اسمه ( توبي كبي )، بلغوني أن ثمن الماسة 150 مليون دولار، والماس فحم، لو أتينا بفحمة سوداء بحجم هذه الماسة كم ثمنها ؟ ولا ليرة، كيف تحول الفحم إلى ماس ؟ من شدة الضغط، ومن شدة الحرارة.
معنى ذلك لما يبتلي الله المؤمن، ويخوفه، يفقره أحياناً، يخوفه من عدو ، ويلجأ إلى الله، ويراجع نفسه، ويتوب، ويناجي ربه يتألق، لأن المصائب محك الرجال، والحزن خلاق، الحزانى في كنف الله، الحزانى معرضون للرحمة.
(( إن الله تعالى يحب كل قلب حزين ))
[ أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]
الحزن محنة تقود لمنحة
ادخل إلى مسجد تجد عددًا كبيرًا من الناس، أنا والله لا أبالغ، لكن بحسب رغبتي 90% من الحاضرين تألقوا مع الله بسبب شدة أصابتهم سابقاً.
أعرف رجلا بعيدًا عن الدين بُعد الأرض عن السماء، يحمل شهادة عليا بفرع نادر، وجميل الصورة، ومتفلت في مزاحه، وفي لسانه، وفي عقيدته، يستهزأ، تزوج فتاة تروق له، فأنجبت له بنتاً صغيرة، كاد عقله يذهب بحبها، فإذا هي تصاب بمرض عضال في دمها، أنا أعرفه شارداً، أعرفه غارقاً في المعاصي والآثام، أعرفه بعيداً عن الدين، فجأة وجدته في حال لا يصدق من الإنابة والتوبة والخشوع، سألته: ما الذي حصل ؟ قال: هذه البنت الصغيرة أصابها مرض عضال، لم أبقِ طبيباً إلا وعرضتها عليه، ثم باع بيته، وذهب بها إلى بريطانيا، ولم تشفَ من مرضها، بعد هذه المحاولات اليائسة ألهم أن إذا تبت إلى الله أنا وزوجتي لعل الله يشفيها، بدأ يصلي، وحجب زوجته، والتزم في مسجدي، ثم شفاها الله، وبعد حين دُعيت إلى عقد قران من قِبله لابنته، وألقيت كلمة، ولما انتهت الكلمة سألته: هيَ هي ؟! قال: هيَ هي، والله بكيت، قلت: يا رب، هذا المرض الخبيث جاء كضيف فهدى الأب والأم، وانصرف بسلام، هذا فعل الله عز وجل.
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة السجدة ).
لكن البطولة أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه مسرعاً، قبل أن يأتي بك مسرعاً، هذه بطولة كبيرة، وأنت معافى صحيح، ليس عندك مشكلة، آمن في بيتك، عندك زوجة وأولاد، وعندك عمل، وتصلي، وتدعو، وتناجي.
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو أن يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله ))
الإسراء والمعراج مكافأة لمحنة الطائف:
أيها الإخوة، محنة الطائف أوصلت النبي الكريم إلى الإسراء والمعراج.
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
( سورة الإسراء ).
لو أنك تتغتع في حفظ القرآن تقول: إنه على كل شيء قدير،
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني يا محمد سمعتك في الطائف، وهذه المكافأة، أنت سيد الخلق، وحبيب الحق، الإسراء والمعراج هي المنحة بعد المحنة، الإسراء والمعراج هي الشَدة إليه بعد الشِدة ، فاطمئن، ما من محنة تبتلى بها كمؤمن إلا وراءها منحة من الله، ما من شِدة تقع بك إلا وراءها شَدة إلى الله.
الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مقصودة لذاتها
أيها الإخوة، الأحداث التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مقصودة لذاتها، ليقف النبي منها الموقف الكامل، ضُرب، وهذا شيء لا يصدقه العقل، وهو سيد الخلق، من أجل ماذا، إذا دعا إنسان إلى الله في بلد صعب، وحقِّق معه، وتلقى بعض الكدمات فإن له برسول الله صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة، له بالنبي عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، إذا اتهمت امرأة في أعلى درجة من الشرف والطهر والعفاف في عفافها فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة، إذا كان لأب بار بأبنائه ابن عاق فله بسيدنا نوح أسوة حسنة، إذا كان لإنسان زوجة سيئة فله بسيدنا لوط أسوة حسنة، إذا كان لإنسان أب سيئ جداً فسيدنا إبراهيم أسوة حسنة، إذا كان الإنسان عقيمًا فمَن أسوته الحسنة ؟ سيدنا زكريا، إذا كان الإنسان مريضًا فأسوته سيدنا أيوب، هؤلاء قمم البشر، وكل نبي يغطي مشكلة في المجتمع، حتى تحب الله وأنت في هذه المشكلة.
ماذا أثر عن سيدنا عمر ؟ كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصب عليها ".
أحيانا يقع حادث سير، لكن ليس ثمة جروح، الضرر في المركبة فقط، وتصليحها سهل، وقد تكلِّف مالاً، أما لو قطعت إصبع فشيء صعب، فكل لمصيبة مصيبة أكبر منها، وأكبر المصائب أن تكون المصيبة في الدين، كشارب خمر، أو زان، أو مَن ينكر ما علم بالدين للضرورة، هذه مصيبة، بنت منحرفة، هذه مصيبة، ابن عاق، هذه مصيبة، دخل حرام، هذه مصيبة، ألِف المعصية والإثم، هذه مصيبة، " الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ".
أيها الإخوة، محنة الطائف كانت سبب الإسراء والمعراج، وفي الإسراء والمعراج أعلم الله نبيه أنه سيد الخلق، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
[ رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ].
هذا هو المقام المحمود، ولا يكون إلا لواحد من الخلق،
(( وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( سَلُوا اللّه لِي الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبادِ اللّه، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا ))
وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى فقرات السيرة النبوية العطرة.
والحمد لله رب العالمين