‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدعوه إلى الله. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدعوه إلى الله. إظهار كافة الرسائل

3‏/6‏/2015

لماذا اعتبر العرب و المسلمون دولة العثمانيين حامية الدين و لم يعتبروهم محتلين..

الخلافة العثمانية .. حامية الدين والأمة

اتخذت الدولة العثمانية من الدين الإسلامي غطاء لتوجهاتها السياسية لدرجة يمكن معها القول إن تاريخ آل عثمان، بما فيه من حسنات وسيئات، يعد في الواقع إحدى الحلقات الهامة من تاريخ المسلمين.
الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية
ونظراً لأن الوطنية حتى بدايات القرن الماضي كانت مرتبطة بالدين، فلم ينظر العرب إلى الدولة العثمانية في ذلك الوقت على أنها دولة مغتصبة أو مستعمرة لبلادهم كما يتردد ذلك لدى بعض الباحثين في الوقت الحالي، خاصة وأن العاطفة الدينية الإسلامية كانت أكثر تأثيراً في نفوس رعايا الدولة من العاطفة القومية.
وبهذه الواجهة الشرعية فرض الأتراك أنفسهم على العرب، واعتبرهم العرب أصحاب أياد بيضاء في رفع شأن الإسلام في أوربا ونشره في العديد من البلدان، لدرجة أن الأفراح والزينات كانت تقام في العديد من العواصم الإسلامية عقب كل انتصار يحرزه العثمانيون، وكان المسلمون في شتى البلدان يعتبرون السلطان العثماني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم [1]، والأب الروحي للمسلمين الذي يجب عليهم طاعته، ويرون المحافظة على الدولة العثمانية ثالث العقائد بعد الإيمان بالله ورسوله.
ونتيجة لذلك، أطلق السكان العرب على القوات العثمانية المرابطة في بلادهم اسم الحامية العثمانية، ولم يطلقوا عليها جيش الاحتلال العثماني؛ كما أن أحد المفكرين المسلمين وهو الشيخ محمد عبده وصفها بأنها الحافظة لسلطان الدين، وأن المحافظة عليها يعد ثالث العقائد بعد الإيمان بالله ورسوله [2].
وفي ظل هذا الشعور، وجهت الدولة العثمانية سياستها، فنظر العثمانيون إلى أنفسهم على أنهم مسلمون قبل كل شيء، لدرجة أن قال عنهم المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي إنهم اهتموا "بإقامة الشعائر الإسلامية والسنن المحمدية، وتعظيم العلماء وأهل الدين، وخدمة الحرمين الشريفين، والتمسك في الأحكام والوقائع بالقوانين والشرائع"، وإلى جانب ذلك، نظرت أوربا إلى توسعاتهم على أنها فتوح إسلامية [3].
وحتى تتضح الصورة، ينبغي أن نقسم أدوار الحكم العثماني إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة القوة وهي المرحلة التي شيد فيها العثمانيون دولتهم في ظل روح الجهاد الديني التي كانت غالبة عليهم والتي مكنتهم من فرض سيطرتهم على مناطق كبيرة في آسيا وأوربا وأفريقيا؛ ومرحلة الضعف التي تميزت بالتخبط السياسي وبالهزائم العسكرية المتلاحقة والتي استمرت حتى سقوط الخلافة.
العثمانيون والجهاد الديني
أما في المرحلة الأولى، فقد كان ولاء الدولة العثمانية يتجه ناحية الدين الإسلامي شكلاً ومظهراً، فاهتم السلاطين بإضفاء الألقاب الدينية بجانب أسمائهم مثل لقب حامي حمى الحرمين الشريفين، ولقب خليفة، كما حرصوا على تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً صارماً (مثل قانون نامه الذي وضعه السلطان سليمان القانوني) وأخضعوا رعاياهم غير المسلمين لنظام الملل (أي التصنيف على أساس الدين).
وكان الدين والدولة عندهم أمراً واحداً، والقرآن والسنة هما المصدران الأصيلان لسياستهم، وكان الطابع الديني الإسلامي بمثابة السمة الواضحة في تشريعات الدولة وفتوحاتها. ويؤكد ذلك "قانون نامه" الذي وضعه السلطان سليمان القانوني، والذي التزم بمبادئ الشريعة الإسلامية.
كما يؤكده ما كان للهيئة الإسلامية من مركز مرموق، فكان يطلق على رئيسها المفتي أو مفتي إستانبول، ثم أطلق عليه شيخ الإسلام، وكان المفتي يصدر فتوى تجيز الحرب التي خاضتها الدولة دفاعاً أو هجوماً وعقداً للصلح، ومن هنا فتح العثمانيون باسم الإسلام العديد من الأمصار التي لم تطأها قدم مسلم من قبل [4].
العثمانيون والفتوحات الإسلامية
فباسم الإسلام واصل عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية جهوده في نشر الإسلام في مناطق الثغور، وواصل عمليات الجهاد الإسلامي المنظم ضد الكيانات المسيحية المجاورة له، وباسم الإسلام تمكن مراد الأول ثالث أمراء آل عثمان من دخول البلقان، وتحقيق العديد من الانتصارات التي توجت بفتح مدينة أدرنة سنة 1361م، وهزيمة القوى النصرانية ونقل العاصمة من بروسه إلى أدرنة التي عمرت بالمساجد والمدارس، وأصبحت نقطة انطلاق لمواصلة الفتوحات الإسلامية في أوربا [5].
وباسم الإسلام، استولى الجيش العثماني على العديد من مدن شرق أوربا، ومن أبرزها صوفيا عاصمة بلغاريا التي تم الاستيلاء عليها في عام 787هـ/ 1385م، وباسم الإسلام، استمرت الفتوحات العثمانية في البلقان وتساقطت مدنها أمام ضربات العثمانيين، ووصل العثمانيون إلى المورة وأخضعوها لحكمهم وأصبحت معظم بلاد البلقان تحت الحكم العثماني [6].
وباسم الإسلام، فتح محمد الثاني القسطنطينيةعاصمة الدولة البيزنطية في عام 857هـ/ 1453م، مصداقاً للحديث الشريف: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وهو ذلك الفتح الذي يعد نقطة تحول فاصلة ليس فقط في تاريخ العثمانيين، بل في تاريخ الصراع بين النصرانية والإسلام.
فبعد هذا الفتح المبين، أمر محمد الفاتح أن يؤذن فيها، واتجه إلى القبلة وصلى؛ كما حول كاتدرائية آيا صوفيا إلى مسجد وأطلق على القسطنطينية اسماً إسلامياً جديداً هو إسلامبول، بمعنى عاصمة الإسلام، وبنى محمد الفاتح مسجداً كبيراً يحمل اسمه، كما بنى عشرة مساجد أخرى [7]، ألحق بها مدارس للتعليم ومستشفيات للفقراء. ولم تتوقف جهود الفاتح على ذلك، بل استطاع القضاء على الإمارات المسيحية في الأناضول وتحويل آسيا الصغرى كلها إلى مناطق عثمانية.
وباسم الإسلام، شرع محمد الفاتح ينفذ مشروعاً خطيراً وهو الاستيلاء على روما مقر البابوية، مقسماً على أن يقدم الطعام بيده إلى حصانه وهو واقف على مذبح الكنيسة البابوية في روما، مما أزعج العالم المسيحي كله الذي لم يتنفس الصعداء إلا بعد وفاة هذا القائد المسلم في عام 886هـ/ 1481م.
وباسم الإسلام، تعددت مظاهر الطابع الإسلامي في السياسة العامة للدولة العثمانية بدءاً بالمراسيم التي كانت تتخذ عند تقليد السلاطين العثمانيين عرش السلطنة، حيث كان السلطان الجديد يتسلم عرش السلطنة في موكب رسمي يتجه إلى مسجد أبي أيوب الأنصاري، ويتسلم في جو ديني سيف الجد الأكبر للسلاطين العثمانيين السلطان عثمان الأول.
وباسم الإسلام، تردد في القوانين العامة التي أصدرها السلاطين، وفي مراسيم التنظيمات العثمانية ما يؤكد حرص الدولة على الظهور بمظهر المدافع عن الشريعة الإسلامية والمتبني لأحكامها.
وباسم الإسلام، استولى السلطان سليمان القانونيعلى بلجراد ورودس وبودابست ووصلت قواته إلى فيينا آخر نقطة وصل إليها العثمانيون في فتوحاتهم بأوربا. وباسم الإسلام، قدم السلطان العثماني بايزيد الثاني (1480 - 1511م) المعاونة للسلطان المملوكي قانصوه الغوري بعد تحطيم أسطوله في موقعة ديو البحرية، فأمده بالأسلحة والأخشاب اللازمة لبناء أسطول جديد، وتجهيز حملة أخرى لمواجهة البرتغاليين استنقاذاً للأماكن الإسلامية المقدسة؛ كما انضم إلى الأسطول المملوكي بعض البحارة والضباط من الأسطول العثماني للوقوف معاً ضد البرتغاليين [8].
العثمانيون ومواجهة البرتغاليين
وباسم الإسلام، أوقفت الدولة العثمانية المخطط الصليبي الذي كان يستهدف دخول البرتغاليين البحر الأحمر، والاستيلاء على جدة، والزحف على مكة المكرمة لهدم الكعبة المشرفة، ثم مواصلة الزحف منها على المدينة المنورة لنبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ومواصلة الزحف إلى تبوك وصولاً إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصىوقبة الصخرة.
فقامت الدولة العثمانية بوضع خطة جديدة تمثلت في اتخاذ الموانئ اليمنية -خصوصاً عدن- خط دفاع لمهاجمة المراكز البرتغالية في الهند، والدفاع عن سواحل البحر الأحمر؛ كما استطاعت دحر الأسطول البرتغالي بالقرب من جدة عام 923هـ، وتحطيم كل المحاولات التي بذلها البرتغاليون لتكوين جبهة مسيحية، وذلك بالتحالف مع الأحباش ضد القوى الإسلامية في البحر الأحمر وشرقي أفريقية.
وباسم الإسلام، قامت الدولة العثمانية بتوحيد أقطار العالم الإسلامي في إطار سياسي واحد، وتأليف جبهة إسلامية واحدة بعد أن كانت كيانات متنافرة، وتكاد تكون متباعدة بين بعضها منذ أن تلاشت الوحدة الإسلامية نتيجة ضعف الخلافة وسقوطها في عام 656هـ على يد التتار [9]، وأصبحت رابطة الدين هي الرابطة الأساسية فيما بين البلاد العربية بمن جهة وبينها وبين الدولة العثمانية من جهة أخرى.
العثمانيون وبلاد الحجاز
وباسم الإسلام، اهتمت الدولة العثمانية بأمور الحجاز، وكان من أبرز مظاهر ذلك اهتمامها بالأماكن الإسلامية المقدسة، إذ به قبلة المسلمين، مهبط الرسالة ومنزل الوحي، وملتقى قلوب المسلمين، فقد أمر السلطان سليم الأول بوضع ثلث ما كان يجبى من مصر للإنفاق على خدمة الحرمين الشريفين؛ كما أضاف لهذه المهمة أيضاً خراج اليونان، مما جعل من بلاد الحجاز مركزاً دينياً مرموقاً؛.
كذلك أولت الدولة العثمانية قوافل الحج والإشراف عليها، وتيسير الحج أمام الراغبين فيه، اهتماماً خاصاً: فاهتمت بالطرق، وحفرت الآبار بمحاذاة طرق الحج، وأقامت المخافر، وكانت تشرف على قواعد الحج الرئيسة التي كانت تخرج من كافة أنحاء الدولة في مواعيد محددة.
وباسم الإسلام، تدخلت الدولة العثمانية لنجدة أهالي الخليج العربي الذين طلبوا منها المعاونة في عام 857هـ/ 1550م لمواجهة الخطر البرتغالي على بلادهم، فبعث السلطان سليمان القانوني بحملات منظمة من السويس إلى الخليج العربي لمعاونة إخوانه في الإسلام، وسار على نهجه بقية السلاطين من بني عثمان حتى عام 989هـ/ 1581م، واستطاعت هذه الحملات أن تنزل العديد من الهزائم بالبرتغاليين.
وباسم الإسلام، وقفت الدولة العثمانية ضد الأطماع البرتغالية وحالت دون تحقيقها في أرض الإسلام، وذلك بعد أن عجز المماليك وغيرهم من الوقوف أمام تهديدات البرتغاليين، خصوصاً بعد معركة ديو البحرية (1509م)، فقامت بإغلاق البحر الأحمر في وجه السفن النصرانية، ولم يسمح لها بتسيير سفنها في القسم الشمالي من البحر الأحمر، أو بالإبحار في هذا البحر فيما وراء ثغر المخا جنوبي الحديدة في اليمن.
وكانت ذريعتها في ذلك أن أهم الأماكن الإسلامية في العالم على الإطلاق تقع في الحجاز، ويطل ساحل هذا الإقليم على البحر الأحمر؛ لذلك يجب ألا تبحر منه غير السفن الإسلامية، وظلت الدولة العثمانية متمسكة بذلك الموقف حتى أواخر القرن الثامن عشر. ومعنى ذلك أن الدولة العثمانية قدمت أعظم خدمة للإسلام، حيث وقفت في وجه الزحف الصليبي البرتغالي للبحر الأحمر والأماكن الإسلامية المقدسة، وكانت الملجأ للعالم الإسلامي وقت الملمَّات [10].
العثمانيون وشمال إفريقيا
وباسم الإسلام، تقدم العثمانيون لمساعدة عرب شمالي أفريقية في الصراع الصليبي مع الإسبان والبرتغاليين الذين حاولوا احتلال هذه الأقاليم وتحويلها إلى المسيحية، فأعلن السلطان سليم الدعوة إلى الجهاد في شمالي أفريقية، وأمر بتكوين كتائب المجاهدين حتى استقرت الأمور للإسلام والمسلمين هناك.
وباسم الإسلام، ساندت الدولة العثمانية أهالي طرابلس في مقاومة الخطر الصليبي على بلادهم، بعد أن أرسلوا إلى السلطان سليمان القانوني يلتمسون منه التدخل لإنقاذهم لتحرير بلادهم من الإسبان الذين استولوا عليها وفرسان القديس يوحنا الذين استهدفوا تغيير الوجه الإسلامي لبلادهم، وقد أرسل السلطان سليمان قواته للمحافظة على هذه البلاد العربية الإسلامية حتى استقرت الأمور هناك [11].
وباسم الإسلام، قام العثمانيون بملاحقة فرسان القديس يوحنا وطردهم من رودس ثم من ليبيا عام 1551م، وكذلك قاموا بكسر شوكة الإسبان في حوض البحر المتوسط الغربي، وباسم الإسلام، وقفت الدولة العثمانية أمام زحف الصفويينالشيعة الذين تمكنوا من الاستيلاء على العراق، ونشر المذهب الشيعي في الأناضول، وراحوا يحملون الناس قسراً على الدخول في مذهبهم، ولا يترددون في إفناء مدن بأسرها، والقضاء على العلماء والأعلام زرافات ووحداناً حين يرفضون الاستجابة لدعوتهم، ويتمسكون بالمذهب السُّنِّيّ.
وكان من نتيجة ذلك قيام السلطان العثماني سليم الأول بغزو فارس والالتقاء مع الصفويين بواديجالديران في أواخر عام 920هـ/ 1514م في معركة رهيبة استطاع فيها العثمانيون هزيمة الصفويين في جالديران ودخول عاصمتهم تبريز في 14 من رجب 920هـ وضم ولايتي ديار بكر وكردستان إلى بلاده والاستيلاء على خزائن الشاه، والقضاء على المد الشيعي في الأناضول والعمل على انحساره في العراق.
وبذلك استطاع العثمانيون حماية المذهب السني من خطر الزحف الشيعي الذي كان الشاه إسماعيل الصفوي يأمل في نشره في كافة أنحاء المشرق العربي والقضاء على المذهب السني. ولم يكتف العثمانيون بذلك، بل خاضوا العديد من المعارك مع الفرس دفاعاً عن العراق الذي كان الفرس يتطلعون إليه دائماً، ويرغبون في صبغته بالصبغة الشيعية ولو بحد السيف.
وبالرغم من أن ذلك كلفهم العديد من الرجال والعتاد، فقد تمكنوا من حصر المذهب الشيعي في فارس، ولم يسمحوا بتسربه إلى البلدان العربية الواقعة تحت سيطرتهم، وبذلك ظهر سلاطين الدولة العثمانية أمام العالم الإسلامي بمظهر المدافع عن الشريعة الإسلامية، والحماة التقليديين للمذهب السني. وباسم الإسلام، عدَّ الأتراك أنفسهم حراساً لدولة الإسلام، وقد دفعهم ذلك إلى الاحتفاظ بحاميات في الأقاليم العربية التابعة لهم[12].
وباسم الإسلام، أصدرت الدولة العثمانية بعد فتحها لمصر فرماناً بمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء على أساس أنها تضم الوادي المقدس طوى الذي كلم فيه الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام، فقال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، وقال أيضاً: {جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]. وسار سلاطين الدولة العثمانية على هذا المنوال حتى جاء الإنجليز وسيطروا على مصر في عام 1882م، فتغيرت الأوضاع هناك.

وباسم الإسلام، استولى العثمانيون على قسم كبير من الحبشة (1529م – 1542م) في المعركة التي دارت رحاها بينهم وبين القوات البرتغالية، والتي قاتلت فيها القوات العثمانية إلى جانب المسلمين، بينما قاتل البرتغاليون إلى جانب الأحباش، وقد خرجت الحبشة من القتال وقد أصابها الدمار ونقص سكانها [13].
وباسم الإسلام، قام السلطان عبد الحميد الثانيبالدعوة إلى الجامعة الإسلامية، خصوصاً وأن مبعث ولاء المسلمين للدولة العثمانية كان دينياً، حيث كانوا مكلفين شرعاً بطاعة السلطان باعتباره الخليفة والأب الروحي للمسلمين، ونائب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم أن يسمعوا له ويطيعوا.
ومن هنا رأى السلطان عبد الحميد الثاني استخدام هذا الولاء في حماية البلدان الإسلامية من الأخطار التي تحيط بها، وإنقاذها من حالة التفسخ والركود الذي تغلغل بين أفرادها. فدعا إلى جامعة إسلامية تجمع بين المسلمين مهما اختلفت لغاتهم وبلادهم.
وباسم الإسلام، قام السلطان عبد الحميد الثاني بإنشاء سكة حديد الحجاز التي تصل دمشق بالمدينة المنورة، وبذلك شهدت الأراضي الإسلامية المقدسة لأول مرة في التاريخ خطّاً حديدياً، يخدم حجيج بيت الله الحرام، ويوفر لهم الأمن والسرعة والراحة بعد أن كانوا يستخدمون قوافل الجمال ويتعرضون للعديد من المخاطر، فكان ذلك أعظم هدية قدمها السلطان عبد الحميد للمسلمين [14].
وباسم الإسلام، وقف السلطان عبد الحميد الثاني ضد استيطان اليهود في فلسطين. فعندما عرض عليه هرتزل حل أزمته المالية نظير السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، رفض طلبه وحسم الموقف معه بقوله: "إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض؛ فهي ليست ملك يميني، بل ملك شعبي. لقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم".
ولإحساس السلطان عبد الحميد بعدم توقف الضغوط اليهودية عليه، بدأ يهتم بالأوضاع الإدارية في بيت المقدس، فجعلها متصرفية تابعة للباب العالي مباشرة بعد أن كانت تابعة لباشا دمشق؛ كما عين محمد شريف رؤوف باشا المشهور بشدته متصرفاً على القدس. ويضاف إلى ذلك أن الدولة العثمانية حافظت على تقاليد الخلافة السابقة في اعتمادها على القرآن مصدراً للتشريع، وإن كانت تحيد عن بنوده في بعض الأحيان [15].
كل ذلك جعل العالم الإسلامي ينظر إلى أعمال العثمانيين على أنها مفخرة للإسلام والمسلمين، وأن زعامتهم للعالم الإسلامي أدّت إلى إعلاء شأن الشريعة الإسلامية وإعلاء شأن المسلمين.

[1] حول انتقال الخلافة إلى العثمانيين، انظر: محمد أنيس: الدولة العثمانية والشرق العربي، (1514م – 1914م)، ص12.
[2] محمد رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ج 1، ص909.
[3] عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج 1، ص21.
-Bernard Lewis, The Emergence of Modern Turkey, London, 1968م.
[4] عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج 1، ص74. ول ديورانت: قصة الحضارة، ج 4، المجلد السادس، ص109.
[5] أرنولد توينبي: تاريخ البشرية، ج 2، ص. 187. أحمد عبد الرحيم مصطفى: في أصول التاريخ العثماني، ص48 - 50.
[6] عبد الكريم رافق: العرب والعثمانيون (1516 - 1916م)، ص34.كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ص427 - 428.
[7] حملت القسطنطينية على مر تاريخها أسماء عديدة منها إستامبول وإستانبول ودار السعادة ودار الخلافة والآستانة. وانظر: سيد مصطفى: الإصلاح العثماني في القرن الثامن عشر، ص11. دليل الآستانة، ص3.
[8] ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، ج 4، ص201 - 203. أحمد فهد الشوابكة: حركة الجامعة الإسلامية، ص14. أحمد محمود الساداتي: تاريخ الدول الإسلامية بآسيا وحضارتها، ص255. محمد عبد المنعم الراقد: الغزو العثماني لمصر
ونتائجه على الوطن العربي، ص123- 125.
[9] عبد العزيز الشناوي: الدولة العثمانية، ج1، ص21. رأفت الشيخ: تاريخ العرب الحديث، ص31.
[10] الصفصافي المرسي: قوافل الحج في الدولة العثمانية، قدسية الحرمين الشريفين، مركز البحوث والدراسات العربية الإسلامية، ص63 - 64. نوال الصيرفي: النفوذ البرتغالي في الخليج العربي، ص144 - 145. الشناوي، المرجع السابق، ج 4، ص698 -ـ 699. محمد أنيس، الدولة العثمانية والشرق العربي، ص128.
[11] الشناوي، المرجع السابق، ج 2، ص928 - 929. ناصر سعيدوني: طبيعة الكتابات التاريخية حول الفترة العثمانية من تاريخ الجزائر، المجلة التاريخية المصرية، المجلد الخامس والعشرون، 1978م، ص149 - 150.[12] محمد فريد، تاريخ الدولة العلية العثمانية، ص189. عبد العزيز نوار: تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية مدحت باشا، ص5. أحمد الساداتي: المرجع السابق، ص152، 2255. الشناوي: المرجع السابق، ج 2، ص964 - 965.
[13] الشناوي: المرجع السابق، ج 2، ص966. توينبي: المرجع السابق، ج 2، ص189.
[14] محمد شفيق غربال: تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية، ج 1، ص20. الشناوي: المرجع السابق، ج 3، ص1325 - 1326.
[15] عبد الحميد الثاني: مذكراتي السياسية، ص24 وما بعدها. سيد مصطفى: المرجع السابق، ص10. الشناوي: المرجع السابق، ج 2، ص975 - 979.

23‏/4‏/2015

ما هي الهيئه التي يخرج فيها من كان بقلبه مثقال حبة خردل من الإيمان..؟



 22- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ

[تعليق مصطفى البغا2 (1/16) -[ ش أخرجه مسلم في الإيمان باب إثيات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار رقم 184(مثقال) وزن. (خردل) نبات صغير الحب يشبه به الشيء البالغ القلة. (نهر الحيا) المطر لأنه تحصل به الحياة ونهر الحياة هو الذي يحيي من انغمس فيه. (فينبتون) يخرجون. (الحبة) بذرة النبات من البقول والرياحين. (صفراء ملتوية) منثنية تسر الناظرين والمعنى أنهم يخرجون بوجوه نضرة مسروين متبخترين]

3‏/3‏/2015

الدعوه إلى الله دعوتان


﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 33 ]
 من خلال هذه الآية الكريمة يتضح أنه ما من أحد أفضل عند الله ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال : إنني من المسلمين ، لأن الدعوة إلى الله صنعة الأنبياء :
﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب: 45-46 ]
 لكن أيها الأخوة - الكلام دقيق وأحياناً الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح - الدعوة إلى الله دعوتان ، دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاتباع لا الابتداع ، إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، لذلك هناك حكمة تكتب على الظفر : " اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع".
 الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع ، الخضوع لمنهج الله ، تطبيق شرع الله ، الدعوة إلى الله الخالصة لها خصائص ، بينما الدعوة إلى الذات أساسها الابتداع ، تبتدع من أجل أن تنفرد ، تبتدع من أجل أن تقول : ليس هناك أحد مثلي ، لذلك اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع .
 الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع بينما الدعوة إلى الذات أساسها الابتداع ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها التعاون ، القرآن الكريم يأمر المؤمنين بالتعاون :
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
 قال العلماء : البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة . فالعلماء علامة إخلاصهم فيما بينهم التعاون ، علامة إخلاصهم أن يكون أحدهم معيناً للآخر ، أن يشكلوا هيئة استشارية.
 يا أيها الأخوة الكرام ، التعاون لا التنافس ، التنافس معنى ذلك هناك مكاسب مادية في الدعوة إلى الله ، إذاً لا بد من التنافس ، أما إذا كان هناك دعوة إلى الله خالصة فأساسها التعاون :
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة: 2 ]
 كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب .
 أيها الأخوة : الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاعتراف بالآخر ، أما الدعوة إلى الذات فأساسها إلغاء الآخر ، فكما أنت داعية موفق هناك آلاف الدعاة الموفقين مثلك ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاتباع ، التعاون ، الاعتراف بالآخر ، و الدعوة إلى الذات أساسها الابتداع ، والتنافس ، وإلغاء الآخر .
تحرر الداعية من ضغوطات المجتمع التي قد تشوه دعوته :
 أيها الأخوة الكرام ، آية ثانية :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الأحزاب:39 ]
 هؤلاء الدعاة إلى الله ، الذين يبلغون رسالات الله ، لهم آلاف الصفات ، مئات الصفات ، اكتفى القرآن بصفة واحدة :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ﴾
[ سورة الأحزاب:39 ]
 فإذا خشي الداعية غير الله سكت عن الحق خوفاً وتكلم بالباطل تملقاً ، ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته ، قال بعض علماء البلاغة : هذه الصفة صفة متعلقة بالموصوف فإذا ألغيت ألغي الموصوف ، هذه الصفة مترابطة بالموصوف ترابطاً وجودياً فإذا ألغيت ألغي الموصوف ، فالدعوة إلى الله إذا خشي الداعية غير الله سكت عن الحق وتكلم بالباطل فانتهت دعوته ، أبو جعفر المنصور يقول لأبي حنيفة : لو تغشيتنا ، تعال إلينا ، قال : ولم أتغشاكم وليس لي عندكم شيئاً أخافكم عليه ؟ وهل يتغشاكم إلا الذي يخافكم على شيء ؟ إنك أن قربتني فتنتني ، وإن أبعدتني أزريت بي .
 فلذلك لا بد من أن يكون الداعية متحرراً من ضغوطات المجتمع التي قد تشوه دعوته :
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ﴾
[ سورة الأحزاب:39 ]
 هذه خصيصة ثانية .
علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
 الثالثة ، يصف الله الأمة فيقول :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
 قال علماء التفسير : معنى كنتم خير أمة أي أصبحتم بهذه البعثة خير أمة أخرجت للناس ، ويتغنى العرب دائماً بهذه الآية :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
 ولكن الله سبحانه وتعالى بيّن علة الخيرية :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
 يقول عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث :
(( ... كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكر معروفاً ))
[ تاج الأصول في جامع أحاديث الرسول عن علي بن أبي طالب ]
 أخطر مرحلة يعيشها المجتمع الإسلامي مرحلة تبدل القيم ، فالذي جمع مالاً غزيراً دون النظر إلى مصدره له مكانة علية ، من هنا من علامات قيام الساعة أن الإنسان قيمته بمتاعه ، نحن في عصر الأشياء ، البشرية مرت بعصر المبادئ ، عصر المبادئ لما جبلة اعتدى على أعرابي ، سيدنا عمر قال له : أرضِ الفتى ، لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك ، قال جبلة : كيف ذاك يا أمير المؤمنين هو سوقة وأنا صاحب تاج ، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس لدينا أحراراً وعبيداً ، قال له : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. قال عمر : عالم نبنيه ، كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى ، هذا عصر المبادئ ، لذلك :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
 فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر نحن أمة كأي أمة خلقها الله ، بل أنتم بشر ممن خلق ، مالنا أية ميزة ، علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :
 أيها الأخوة الكرام ، شيء آخر ، يقول الله عز وجل :
﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
 بعض علماء التفسير قال : ما معنى على بصيرة ؟ أي مع الدليل والتعليل ، أنت حينما تأتي بالدليل وتأتي بالتعليل تسهم في إقناع الآخر ، لذلك لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، والدعوة إلى الله مع الدليل تكسب المدعو فكراً دينياً صحيحاً، لذلك في بعض كتب الفقه ما من حكم شرعي إلا والدليل معه ، سمى العلماء هذا الكتاب فقهاً معللاً ، والفقه المعلل ينمي الملكة الفقهية عند الإنسان ، فإذا أردت أن تقتني كتاب فقه ابحث عن كتاب فقه معلل ، لذلك :
﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
 على بصيرة أي بالدليل والتعليل ، أنا ومن اتبعني استنبط بعضهم من ذلك أن الدعوة إلى الله فرض عين من هذه الآية :
﴿ قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
 فالذي لا يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله ، ولكن كيف نفرق بين دعوة إلى الله هي فرض عين ودعوة إلى الله هي فرض كفاية ، الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف ، حضرت خطبة ، استمعت إلى شرح آية ، تأثرت بها انقل هذا الشرح لزوجتك ، لأولادك، لإخوانك ، لأصدقائك في نزهة ، في وليمة ، اذكر الله عز وجل من خلال ما سمعت ، هذه دعوة إلى الله تعد فرض عين على كل مسلم ، في حدود ما تعلم ومع من تعرف ، هذه فرض على كل مسلم :
(( بلغوا عني ولو آية ))
[ أخرجه البخاري عن ابن عمرو ]
 لو كل واحد منا استمع إلى خطبة تأثر بها ونقلها إلى أهله ، إلى أولاده ، إلى جيرانه ، في لقاءاته ، في نزهاته ، في ولائمه، لكان المجتمع الإسلامي بواقع غير هذا الواقع ، كلمة جاءتني الآن : والله الذي لا إله إلا هو لو أن الجاليات الإسلامية في العالم طبقت الإسلام تطبيقاً صحيحاً لكان موقف الغرب من الإسلام غير هذا الموقف .
ارتباط العبادات الشعائرية بالعبادات التعاملية :
 لذلك أنا أخاطب أي أخ كريم مقيم في هذه البلاد ، أنت وحدك في هذه البلاد عليك مهمة ، وتحمل رسالة ، ينبغي أن تنقل لمن حولك من سكان هذه البلاد نزاهة الدين ، عظمة الدين ، صفاء المؤمن ، صدق المؤمن، أمانة المؤمن ، سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام ، قال:
(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، ... ))
[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]
 إن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، إن استثيرت شهوته فهو عفيف ، وفوق ذلك تاج النسب :
(( ...فدعانا إلى الله لنوحده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))
[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]
 هذه العبادة التعاملية .
 أيها الأخوة ، أتمنى من كل قلبي أن تؤكدوا على هذه الحقائق ، العبادات الشعائرية كالصلاة والصيام والحج والزكاة لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]
 هذه الصلاة إذا لم يكن هناك استقامة في المظهر والمخبر ، في الخلوة والجلوة ، في بيتك وعند الناس ، فلن تقطف ثمارها ، لذلك قال النبي الكريم :
((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ....))
[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]
 في البيت يلبس ، يتعطر ، يبتسم ، يصافح ، ينحني أحياناً ، يستقبل الضيف، يرحب به ، هذه أخلاق مرتبطة بعمله ولها علاقة بمصلحته ، لكن أين أخلاقه الحقيقية ؟ في البيت ، فالنبي الكريم قال :
((خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))
[الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]
 فلذلك لا بد كما قلت قبل قليل من أن يكون الخلق مستمراً في المناسبات و غير المناسبات ، في الخلوة و الجلوة ، المؤمن مؤمن في السراء والضراء ، مع الناس و وحده ، فلذلك الإخلاص ، ألا تختلف العبادة عندما تكون مع الناس أو تكون وحدك في البيت .
العبادات التعاملية هي الأساس في قطف ثمار الدين :
 أيها الأخوة الكرام ، كلكم يعلم أن هناك عبادات شعائرية فالصلاة لا بد لها من استقامة وعمل صالح ، والصيام :
(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))
[البخاري عن أبي هريرة ]
(( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ))
[الحاكم عن أبي هريرة ]
 الحج :
(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك))
[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]
 الزكاة :
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة: 53]
((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
 هذه الشهادة والصلاة والصوم والحج والزكاة بأدلة قطعية قرآنية نبوية ، إن لم تتحقق العبادة التعاملية من صدق وأمانة وعفة وإخلاص فلن نقطف من ثمار الدين شيئاً .
 أيها الأخوة الكرام ، الحقيقة الأولى والدقيقة العبادات التعاملية أي الأخلاق لن نستطيع أن نعقد اتصالاً بالله إلا إذا صحت ، هناك عبادة تعاملية صحيحة تأتي بعدها العبادة الشعائرية ، لذلك قالوا : إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر ، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر .
 أيهاالأخوة الكرام ، النبي عليه الصلاة والسلام آتاه الله علماً ، آتاه الله بياناً رائعاً ، يعد كلام النبي الكريم أفصح كلام بعد القرآن ، آتاه جمالاً ، قواماً ، آتاه أشياء لا تعد ولا تحصى، لكن الله عز وجل حينما أراد أن يمدحه بماذا مدحه ؟ بخلقه فقال تعالى :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4]
 هذا الذي جعل ابن القيم رحمه الله يقول : " الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ".
تطبيق السنة الشريفة التي هي أقوال النبي وأفعاله وإقراره :
 أيها الأخوة : السنة واجبة التطبيق ، عندنا كتاب وسنة ، لكن السنة أفعال النبي كما تعلمون ، أقوال النبي وأفعاله وإقراره ، يمكن أن نضيف إلى سنة النبي سنته الدعوية ، كيف دعا إلى الله ، كيف عامل أصحابه ، هل تصدقون في بعض الغزوات ، الرواحل ثلاثمئة راحلة والصحابة ألف ، فأمر قائد الجيش رسول الله قال : كل ثلاثة على راحلة - هو سيد الخلق وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، نبي مرسل - وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أقل جندي في الجيش ، ركب الناقة فلما جاء دوره في المشي قال صاحباه : نحن نمشي عنك ، فقال قولاً والله لا أنساه حتى الموت ، قال : " ما أنتما بأقوى مني على السير- كان رياضياً- ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر " .
 هذه أخلاق النبي الكريم ، أعرابي أراد أن يلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام ، ذهب إلى المسجد نظر في الحاضرين ثم قال : أيكم محمد ؟ ماذا تستنبطون من هذا أيكم محمد ؟ ليس له كرسي خاص ، أو جلسة خاصة ، أو مكان خاص ، قال : أيكم محمد ؟ هناك روايتان؛ الأولى : أحدهم قال له : ذاك الوضيء ، المتألق ، و هناك رواية ثانية قال له : أنا . هذا معنى دقيق جداً حينما سوى نفسه بأصحابه تسوية تامة كان ذا خلق عظيم :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم: 4]
 أيها الأخوة الكرام ، ثمامة بالغ في التنكيل بأصحاب النبي وتقتيلهم ، وقع أسيراً في قبضة أصحاب رسول الله ، وجاؤوا به إلى المدينة ، ربط في إحدى سواري المسجد ، مرّ به النبي قال : ما عندك يا ثمامة ؟ قال : إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن أردت المال خذ ما شئت ، عفا عنه ، يقول هذا الرجل الذي دخل في الإسلام : والله ما كان على وجه الأرض رجل أبعض إليّ من محمد والآن ما على وجه الأرض من رجل أحبّ إليّ من محمد .
قواعد الدعوة إلى الله :
1 ـ القدوة قبل الدعوة :
 أيها الأخوة : القاعدة الأولى في الدعوة إلى الله : القدوة قبل الدعوة ، سيدنا عمر سأل أحد الولاة : " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال له : أقطع يده ، فقال للوالي : إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر له حرفتهم ، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية ".
2 ـ الإحسان قبل البيان :
 أيها الأخوة الكرام ، شيء آخر هو الإحسان قبل البيان في الدعوة إلى الله ، أي أنت عليك أن تفتح قلبه بإحسانك ليفتح عقله لبيانك ، افتح قلبه بإحسانك ليفتح عقله لبيانك ، لذلك :
(( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))
[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]
 نفتح قلوب من حولنا بالإحسان ليفتحوا لنا عقولهم للبيان ، لذلك قالوا : من هو الولي ؟ أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا ، قالوا : أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال: لا، قال : الولي كل الولي الذي تجده عند الحرام والحلال .
 أن يراك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك ، و هذا معنى قوله تعالى :
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس: 62-63 ]
3 ـ الترغيب قبل الترهيب :
 الآن أيها الأخوة الترغيب قبل الترهيب ، هناك دعاة إلى الله يتحدثون دائماً عن النار ، عن أهوال النار ، وعن عذاب القبر ، هذا شيء لا بد من ذكره لكن باعتدال ، اجعل من الترهيب والترغيب معاً ، والإيجابيات والسلبيات معاً ، ووصف أهل الجنة وأهل النار معاً ، هذا التوزيع ، وهذا التناغم ، وهذه المساواة بين الطرفين أفضل بالدعوة من أن تختص بالجانب السلبي ، فقالوا : الترغيب قبل الترهيب .
4 ـ التيسير قبل التعسير :
 قالوا : والتيسير قبل التعسير ، جاء إنسان فرنسي أعلن إسلامه في مصر في الأزهر ، تولاه أحد العلماء فأبقاه ستة أشهر في أنواع المياه في البداية ، حتى خرج من جلده ، فترك هذا العالم التقى مع الإمام محمد عبدو قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه ، ألغى له ستة أشهر ، الآن نحن بحاجة إلى تبسيط الدين ، وإلى تطبيقه ، وإلى عقلنته ، الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، هناك نص لا تفتعل تناقضاً بين العقل وبين النص الشرعي ، السبب كما أرى والله أعلم ، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح ، مع التأويل الصحيح ، هناك نقل صحيح بتأويل غير صحيح ، وهناك نقل غير صحيح ، لا بد من نقل صحيح مع تأويل صحيح ، هذا أول خط ، الخط الثاني خط العقل غير التبريري ، هناك عقل تبريري يغطي أخطاءه بتبريرات لا تقبل ، فنحن نريد نقلاً صحيحاً مؤولاً تأويلاً صحيحاً ، مع عقل صريح ليس تبريرياً ، مع فطرة سليمة ليست منطمسة ، مع واقع موضوعي ليس مزوراً ، هذا الحق ، ما جاء به النقل الصحيح من عند الله مع التأويل الصحيح وقبله العقل الصريح وارتاحت إليه الفطرة السليمة وأكده الواقع الموضوعي ، هكذا الحق ، لأن الوحي وحي الله ، ولأن العقل جهاز أودعه الله فينا فمبادئه تتوافق تماماً مع واقع الكون ، مبدأ الغائية والسببية وعدم التناقض ، فالنص الأصلي من عند الله ، أو من عند رسوله ، والعقل جهاز أودعه الله فينا ، والفطرة سليمة ، خصائص النفس البشرية تتوافق مع الفطرة ، قال تعالى :
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[سورة الروم:20]
 والواقع يؤكد ما جاء به القرآن ، إذاً عقل صريح مع تأويل صحيح مع فطرة سليمة مع واقع موضوعي هذا هو الحق .
5 ـ التربية لا التعرية :
 أيها الأخوة الكرام ، التربية لا التعرية ، هناك من يرى أنه لابد من التعنيف في الدعوة ، أو لا بد من أن يكشف الإنسان أمام الكل ، كان عليه الصلاة والسلام يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا "، فهذه الكناية اللطيفة من باب الأدب ، ومن باب الستر، ومن باب مكارم الأخلاق .
الابن استمرار لأبيه فعليه أن يكون على شاكلته :
 أخواننا الكرام ، أي إنسان بالأرض الآن سبعة مليارات إنسان في الأرض ، الإنسان حريص حرصاً لا حدود له على سلامته ، و سلامته باستقامته ، أبداً لو أن هناك هدفاً كبيراً وفي الطريق عقبات ، والعقبة على عرض الطريق ، فالطريق غير سالك ، فالإنسان حينما يستقيم يزيل كل العقبات عن الطريق إلى الله ، فإذا استقام لا يوجد عقبات لا بد من حركة قال تعالى :
﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ سورة فاطر: 10]
 بالعمل الصالح يرتفع الإنسان ، الآن الاستقامة سبيل السلامة والعمل الصالح سبيل السعادة ، أما الاستمرار وأنتم في أمس الحاجة والبلاد الغربية كلها في أمس الحاجة للشيء الثالث الذي هو تربية الأولاد ، فلو بلغت أعلى منصب في الأرض ، وجمعت أكبر ثروة في الأرض ، وارتقيت إلى أعلى مكانة في الأرض ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس :
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾
[سورة الفرقان: 74 ]
 فلذلك إذا كنت بحاجة في بلدك إلى بعض الجهد لتربية أولادك صدق ولا أبالغ أنت هنا بحاجة إلى عشرة أضعاف الجهد الذي تبذله في بلدك لتربية أولادك ، لأن هنا يوجد عقبات كأداء أمام الالتزام ، هناك صوارف كثيرة ، فلا بد من أن يعوض الأب عن هذه البيئة المتفلتة بتوجيه سديد ، وقدوة عالية ، لكن أخواننا الكرام ، كلام دقيق جداً لمجرد أن يكون الأب والأم ملتزمين فهذه دعوة لأبنائهم ، الأب المستقيم كلامه مضبوط ، مشاعره مضبوطة ، لا يوجد انحرافات و لا معاص و لا آثام ، الأب بهذا الشكل اعتماداً على مبدأ القدوة قبل الدعوة يعرف الطريق إلى تربية أولاده ، ولن يستطيع الإنسان أن يسعد إذا رأى ابنه ضائعاً مهما بلغ من مرتبة عالية، أو مال كثير ، أو عز عزيز ، لا بد من أن يرى ابنه استمراره وطريقه من بعده على شاكلته فيما يفعل .
خاتمة و توديع :
 أيها الأخوة الكرام : أرجو الله تعالى لكم أن يحفظ إيمانكم ، ويحفظ أولادكم ، وأهلكم، وصحتكم ، ومالكم ، وأن يعينكم على تربية أولادكم ، وأن تنتبهوا لهاتين النقطتين : أنت هنا معك رسالة إلى أهل هذه البلاد ، أن تنقل لهم عظمة ديننا ، وعظمة أخلاق نبينا ، وأن تعطيهم الصورة المشرقة ، وإذا ذهبت إلى بلادك لك رسالة أخرى أن تنقل لهم إيجابيات هذه البلاد ، فأنت تحمل رسالتين ؛ واحدة تنقلها إلى بلادك إذا ذهبت إليهم ، والثانية تنقلها إلى أهل هذه البلاد ما دمت تعيش معهم ، وأرجو الله لكم التوفيق والنجاح .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والحمد لله رب العالمين
( د.محمد راتب النابلسي)