18‏/1‏/2015

حكم الجلوس و الاجتماع لتعزية أهل الميت




التّجلية
لِحُكْم الجلوس للتعزية

د . خلدون مكي الحسني
دمشق 

 الحمد لله المحيي المميت ، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد و على آله و أزواجه أمّهات المؤمنين ، أمّا بعد :فقد استقرّت في أذهان الكثير من النّاس أمورٌ يظنون أنها من الدّين ، وأنّهم يتقرّبون إلى الله بفعلها ، فهم يتنافسون فيها ويَعِيبُون على من قصّر فيها ، ثم لا يَجِدُون من يخالفهم بشأنها ، فتصير من المسلّمات التي لا مجال للحديث فيها . وتمضي الأيّام فإذا هذه الأمور قد أصبحت من عقائد الناس و أُقحمت عُنوة في الشريعة ، مع أن الشريعة قد جاءت بخلافها ، و لكنّ الناس بدّلوا و غيّرواومن هذه الأمور ( جلسة التعزية ) أو ما يسمّى في بلاد الشام بـ ( التمساية للرجال و العصريّة للنساء ) وسأعرض لك ، أخي المؤمن ، الأحكام الشرعيّة التي أمرنا الله بها، وبيّنها لنا رسوله صلى الله عليه وسلّم ونصّ عليها جميع علماء المسلمين على اختلاف مدارسهم الفقهيّة ، بخصوص هذا الأمر ، ليظهر لك البون الكبير بين ما أمرنا الله به و ما يفعله الناس في زماننا هذا . و قبل الشروع في هذا العرض سأقدم بين يديه بياناً موجزاً لما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت و بعد الدفن :ـ روى رزين عن عبد الرزاق ، و أبو داود عن أنسٍ قال : ( كانوا في الجاهلية يَعْقِرون عند القبر بقرة ، أو ناقة ، أو شاة ً، و كانوا يسمّون العقيرة : البَليِّة ، فلمّا جاء الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا عَقْر في الإسلام ). وهو حديث صحيح .و العَقْرُ : ضرب قوائم الفرس أو البعير بالسيف وهو قائم فيسقط ، و كذلك كانوا يفعلون في الجاهلية عند قبر الميّت ، ويقولون : إنّ صاحب القبر كان يعقر للأضياف فنحن نفعل كذلك في موته كما كان يفعله في حياته .و البليّة : هي النّاقة التي كانت تُعقَل في الجاهليّة عند قبر صاحبها، فلا تُعلف و لا تسقى إلى أن تموت أو يحفرون لها حُفيرة و يتركونها فيها إلى أن تموت ، لأنهم كانوا يزعمون أن الناس يحشرون يوم القيامة ركباناً على البلايا ، إذا عُقلَت مطاياهم عند قبورهم .انظر جامع الأصول لابن الأثير ج 9صـ141 .و كانوا يضربون الخدود ، ويشقّون الجيوب عند مصيبة الموت ؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال : (ليس منّا من شقَّ الجيوب ، و ضرب الخدود ، و دعا بدعوة الجاهليّة ) .رواه البخاري ومسلم .و كانوا يقطّعون أثوابهم ، ويحلقون شعورهم ، و يرفعون أصواتهم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك و قال : (ليس منّا من حَلَقَ ، ومن سَلَقَ ، ومن خَرَقَ ) رواه مسلم و أبو داود .و كانوا يُتبِعون الجنازة بنار و أصوات فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال : (لاتُتْبِعوا الجنازة بصوت و لا نار ) رواه مالك و أبو داود .وكانت النساء يمشين مع الجنازة فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث عليّ رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا نسوةٌ جُلوس . فقال " ما يجلسكنّ ؟ " قُلن ننتظر الجنازة . قال "هل تغسلْن ؟" قُلْنَ : لا . قال " هل تَحمِلْن ؟ " قُلْنَ : لا . قال " هل تُدْلِينَ فيمن يُدْلي ؟" قُلْنَ : لا قال : (فارجعْنَ مأزوراتٍ غير مأجورات ) . رواه ابن ماجه وهو صحيح كما قال البوصيري في الزوائد .و كانوا ينوحون على الميّت فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك كما في حديث أمّ عطيّة قالت : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم نهانا عن النّياحة ) رواه البخاري ومسلم .و النّياحة : الصّياح و البكاء على الميّت ، وكذلك ذِكْر مآثره و عَدُّ شمائله ولو بدون بكاء ؛ قال أبو الطيّب العظيم آبادي : " يُقال ناحت المرأة على الميت إذا نَدَبَتْهُ أي بكت عليه و عددت محاسنه " ا.هـ عون المعبود ج 6صـ37و قد قال المغيرة بن شعبة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : (منْ نِيحَ عليه فإنّه يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه يوم القيامة ) رواه مسلم .و يُبيّنُ معنى هذا الكلام حديثُ النعمان بن بشير قال : ( أُغمِيَ على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أُختُه عَمْرَةُ تبكي : واجبلاه ، واكذا واكذا ، تُعدِّدُ عليه ، فقال حين أفاق : ما قُلتِ شيئاً إلا قيل لي : أنت كذلك ؟ " فلمّا مات لم تَبْكِ عليه ) رواه البخاري .و قد تشدَّد رسول الله صلى الله عليه وسلّم في النهي عن النياحة ، فقال : (أربعٌ في أُمتي مِنْ أمر الجاهليّة لا يتركونها : الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب ، و الاستسقاء بالنّجوم ،و النِّياحةُ ) وقال : ( النَّائحة إذا لم تتب قبل موتها ، تُقام يوم القيامة و عليها سربالٌ من قَطِران و درعٌ من جَرَب ) رواه مسلم .وقال عليه الصلاة والسلام :( اثْنَتَانِ في النَّاس هُما بهم كُفْرٌ : الطَّعنُ في النَّسب و النِّياحة على الميّت ) رواه مسلم ._ قال الإمام النووي في كتابه " الأذكار " باب تحريم النياحة : و اعلم أن النياحة : رفعُ الصوت بالندب ، و الندبُ : تعديد النّادبة بصوتها محاسن الميت ، و قيل هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه . قال أصحابنا : و يحرُمُ رفع الصوت بإفراط في البكاء . وأمّا البكاء على الميت من غير ندب و لا نياحة فليس بحرام ا. هـ_ وكان أهلُ الجاهليّة حريصون كل الحِرص على تقاليدهم الخاصة بما بعد الموت فمن ذلك أنهم كانوا يَعُدُّون حُضُورَ مجالس النِّياحة أمراً واجباً ؛ وهو كالدَّيْن فلا بدَّ مِنَ الوفاء به ؛ ومَنْ لم يَفِ به فإنه ، بلا شك ، قد أساء لنفسه ؛ ويجب أن يُعامل بالمثل . إلى حدّ أن إحدى النساء لمّا أتت رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم لِتُبَايعَهُ ، أخذ عليها مع البيعة ألا تنوح فامتنعت ، حتى ذهبت فشاركت جارتها في مجلس نياحتها ثم عادت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت : ( لمّا نزلت هذه الآية { يُبَايِعْنَكَ على أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً........... ولا يَعْصِينَكَ في معروف } [ الممتحنة: 12] قالت : كان منه النياحة ، قالت : فقلت : يارسول الله ، إلا آلَ فلان ، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية ، فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (إلا آل فلان) . رواه مسلموقي رواية أخرى ( قالت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقرأ علينا { أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئاً ... } ، نهانا عن النياحة ، فقبضت امرأةٌ مِنَّا يَدَها ، فقالت : فلانة ُ أَسْعَدَتْنِي ، فأنا أريد أن أَجزِيَها ، فما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً ، فانطلقت ، ثم رَجَعَتْ ، فبايعها ).وفي حيث أنسٍ رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أَخَذَ على النساء ؛ حين بايعهنّ ؛ أن لا يَنُحْنَ فَقُلْنَ : يا رسول الله ، إن نساءً أَسْعَدْننا في الجاهلية : أفنُسْعِدُهُن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ( لا إِسْعَادَ في الإسلام ) . صحيح رواه أحمد والنسائي وابن حبان .قال ابن الأثير في " النهاية " 2 / 366 : وقوله ( لا إسعاد في الإسلام ): هو إسعاد النساء في المناحات ، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة ، فنُهِينَ عن ذلك .• إذاً لم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمراً مما كان يفعله العرب في الجاهلية عند الموت إلا ونهى عنه وجَعَلَه محرّما على المسلمين . ثمّ سنَّ لنا سُننَ هدى ، و شرَّع لنا شرائعَ أمرنا بها و حضَّنا عليها عند مصيبة الموت ، و ما قبلها، و ما بعدها . و من تلك السنن قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا حضرتم المريض أو الميّت فقولوا خيراً ، فإنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون ) رواه مسلم .ومنها قوله صلى الله عليه وسلّم عندما أرسلت له إحدى بناته تدعوه ، وتخبره أن ابناً لها في الموت ، فقال للرَّسول : " ارْجِعْ إليها فأَخْبِرْها : إِنَّ للهِ ما أخذَ ولهُ ما أعطى ، وكل شيئٍ عنده بأجَلٍ مُسمّى فَمُرْها فَلْتَصْبِر ولْتَحْتَسِب " . رواه مسلم .ومنها دعاؤه صلى الله عليه وسلّم عندما دخل على أبي سَلَمة وقد مات فقال صلى الله عليه وسلّم : " اللهُمَّ اغفر لأبي سلمة و ارفعْ دَرَجتَه في المهديِّين واخلُفْهُ في عَقِبِهِ في الغابرين و اغفر لنا وله يا ربَّ العالمين ، وافسَحْ له في قبره ، ونوِّر له فيه " رواه مسلم .ثمّ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بغَسْل الميّت و تكفينه و الصلاة عليه و اتّباع جنازته ، و الأحاديث في ذلك كثيرة و متواترة .
جاء في حاشية ابن عابدين ج1 صـ604:
وقال :" كثيرٌ من مُتأخري أئمتنا يكره الاجتماع عند صاحب البيت ، ويكره له الجُلوسُ في بيته حتى يأتي إليه من يعزيه ، بل إذا فَرَغَ ورجَعَ الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل الناس بأمورهم وصاحب البيت بأمره . قلت ُ: وهل تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد و قراءة القرآن حتى إذا فرغوا قام وليّ الميّت و عزَّاه الناس كما يُفعَلُ في زماننا ؟ الظّاهر لا لكون الجلوس مقصُوداً للتعزية لا للقراءة ا.هـ 
• و جاء في الفتاوى البزازية في الفقه الحنفي ج4 صـ357
: والجلوس في المسجد ثلاثة أيّام للتعزية يكره و في غير المسجد جاءت الرخصة للرجال و تركه أولى 
• و في حاشية ابن عابدين ج1صـ604: قال : ( قوله تُكره التعزية ثانياً، وعند القبر ، وعند باب الدار ): في "التتارخانيّة" و لا ينبغي لمن عزّى مرّةً أن يعزي أخرى رواه الحسن عن أبي حنيفة ا.هـ و قوله: (و عند القبر) : .. و يشهد له ما أخرج ابن شاهين عن إبراهيم : التعزية عند القبر بدعة ا.هـ قلت : لعلّ وجهه أن المطلوب هناك القراءة و الدعاء للميت بالتثبيت . (قوله و عند باب الدّار ) في " الظهيرية " و يُكرهُ الجلوس على باب الدار للتعزية لأنه عمل أهل الجاهليّة و قد نُهي عنه ، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط و القيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح ا.هـ 
• قال الإمام الشافعي في كتابه " الأم " ج1 صـ 318 
: " و أكره المأتم و هي الجماعة و إن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن و يكلف
المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر " . 
• وجاء في كتاب " المغني " في الفقه الحنبلي ج3 صـ 486 : قال أبو الخطاب : يُكرَهُ الجلوس للتعزية . و قال ابن عقيل : يكره الاجتماع بعد خروج الرّوح ، لأن فيه تهييجاً للحزن . 
• و جاء في كتاب " المعيار" في الفقه المالكي ج11 صـ153 
: ( قال علماؤنا المالكيون : التّصدي للعزاء بدعة و مكروه ) .
• جاء في كتاب " الأذكار " للإمام النووي الشافعي صـ137
: " قال الشافعي و أصحابنا رحمهم الله يكره الجلوس للتعزية قالوا : يعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية ، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم و لا فرق بين الرجال و النساء في كراهة الجلوس لها ، صرّح به المَحَاملي ، و نقله عن نص الشافعي رضي الله عنه ، و هذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها مُحْدَثٌ آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة ، كما هو الغالب منها في العادة ، كان ذلك حراماً من قبائح المحرمات لأنه مُحْدَث ، و ثبت في الحديث الصحيح : (إن كل مُحْدَثٍ بدعة ، و كل بدعة ضلالة ) .
• فهذه نُقُولٌ من المذاهب الأربعة المعتمدة كلّهاتصرّح بكراهة و حرمة الجلوس للعزاء ، وتعلل ذلك بأنه أمر مبتدع في الدين ، ويرهق أهل الميت و يكلّفهم نفقات كبيرة و يهدر أوقاتهم ، و أهمُّ من ذلك أنّه بسبب هذه البدعة تَرَكَ النّاسُ الأمرَ الواجبَ ، و هو حضورُ الجنازة و الصلاة عليها ، و صاروا يكتفون بحضور مجلس العزاء لمدة خمس دقائق مساءً ، و انتهى الأمر ، و أعجبُ من ذلك أنهم صاروا يعدُّون من يلتزم شرع الله في هذا الخصوص و يتَّبع فتاوى العلماء الأعلام في المذاهب الإسلامية المشهورة ، شاذاً مخالفاً للصّواب ، وهذه هي بحق غُرْبَةُ الدِّين ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما قال : ( أربع في أمتي منْ أمر الجاهلية لا يتركونها : الفخر في الأحساب ، و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم ، والنّياحة ) . و إنا لله و إنّا إليه راجعون.
             (منقول باختصار )